تناقلت مواقع التواصل مشاهد عن شباب سعوديين ينهبون أحد المباني التي تعرضت للتدمير جراء انفجار شاحنة غاز تحت كوبري على طريق خريص، وكان منظرا مؤلما ومرعبا، يتجاوز في نظري حجم الدمار المادي، وحتى البشري للحادث المريع نفسه، وذلك كونها مشاهد نقلت لنا بأمانة، حجم الدمار الأخلاقي والتربوي الشامل والمريع الذي يعيشه بعض شبابنا. يجب ألا نتجاوز ما روعتنا مشاهدته، بسهولة ويمر علينا مرور الكرام، من غير أن نبحث عن أسبابه ومسبباته ودواعيه وتداعياته.
بعد وقوع الحادث المشؤوم بساعتين، كنت راكبا مع صديق عزيز بسيارته، قادمين من نزهة برية، فمررنا بالقرب من الحادث من الجهة الشمالية لشارع جابر، كوبري الفحص الدوري، حيث وقع الحادث على بعد كيلو مترات معدودة جنوبا منه، على تقاطع كوبري خريص شارع جابر. صديقي يعمل معلما في المرحلة الثانوية وكان يشكو لي بألم ووجع، صعوبة طرحه لبعض المواضيع التي يدرسها لطلابه، حيث هي لا تمت للواقع بصلة، بل تغيِّب الطالب عن واقعه الحقيقي، وتفترض له واقعا غير موجود، وفي بعض الأحيان متناقضا مع واقعه المعاش. صديقي معلم المرحلة الثانوية أعطاني مثالا على ما يشكو منه، حيث قال لي هل تصدق بأنني أدرس في مادة الوطنية، موضوع "كيف تختار زوجتك؟" وموضوع "الجهاد"، وغيرهما من مواضيع لا أعلم كيف أربطها بالوطنية؟ هذا في حال كانت مواضيع تلامس حاجة الطالب في واقعه المعاش. حيث قال لي إن طلبته يسألونه السؤال المحرج، وهو من قال لك بأننا نختار زوجاتنا بأنفسنا، أهلنا من يختارون زوجاتنا لنا، أو يبحثون عنهن بالنيابة عنا، وكان بعضهم يعلق وبسخرية، لماذا لا يدرس هذا الموضوع لأهلنا تحت عنوان "كيف تختارون زوجة لأبنكم؟" ثم يضحكون. كما أنني أقوم بالتحايل على موضوع الجهاد، لأجعله ينسجم مع موضوع الوطنية، وأتحدث مع طلبتي عن الجيش السعودي، وأشرح لهم مواصفاته وشروطه، حيث هي تتطابق على مواصفات وشروط الجهاد، وبالكاد تصل لبعضهم المعلومة، وبعضهم لا تصل له، بل يرفضها. حيث يحتج بأنه لو كان المقصود بالجهاد ومهمة الجهاد هو الجيش السعودي، لذكر هذا في الموضوع.
صديقي المعلم، طرح أكثر من مشكلة تواجهه في التعليم، وتواجه زملاءه المعلمين في إيصال المعلومة الصحيحة والمعاشة لطلبتهم، ومساعدتهم على التفكير والقدرة على التحليل والفرز العقلاني والمنطقي، لا يسمح المقال بذكرها. نزلت لبيتي وعلمت كغيري بموضوع كارثة صهريج الغاز. وأخذت تتوالى علي المعلومات من الإعلام التقليدي، والذي جعلني كأنني أتسول المعلومة، ولكن بفضل الإعلام التفاعلي الجديد، شاهدت الحدث وكأنني شاهد عيان عليه. طبعا نقل لنا الإعلام التقليدي آراء وتعليقات الرسميين الذين باشروا الحادث، وسمعنا عن أرقام قياسية في سرعة وصولهم للحدث وتفادي انتشاره وما شابه ذلك من تصريحات رسمية. ولكن عندما وصلتنا الصورة الأولية الحية من موقع الحادث عبر وسائل التواصل الاجتماعي، شاهدنا الفوضى الخناقة، وليست الخلاقة، على افتراض بأن هنالك فوضى خلاقة. وبأن الشباب بشقيهم الصالح والطالح، هم من وصل لموقع الحدث بوقت قياسي، لا مثيل له، فمنهم من عبث وأفسد ومنهم من اجتهد وأصلح. حيث شاهدنا شبابا يسعفون بعض الجرحى ويحملونهم وينقلونهم للمستشفيات، بطريقتهم الاجتهادية والعشوائية. وهذا عمل يشكر لهم، ولكن في حالات الحوادث، لا يجب أن يقترب للمصابين خاصة المتأثرين منهم تأثرا بالغا، أحد غير المسعفين المختصين في ذلك. فالمسعفون المختصون، هم من تقع عليهم مهمة إيصال المصابين المراد إسعافهم إلى أقرب مستشفى وهم على قيد الحياة، وكذلك إيصالهم للمستشفى المجهز لاستقبال مثل هذه الحالات، ويكون هناك تواصل مستمر بين المستشفى والفريق المسعف، على طول الطريق، حيث هناك من الشباب الخير المتطوع، من نقل مصابين لمستشفيات لا تمتلك التجهيزات ولا الكوادر الخاصة بمعالجة مثل هذه الإصابات، واعتذرت المستشفيات أو المستوصفات عن استقبالهم، وهذا بحد ذاته قد يضاعف الإصابة ويعقدها، حيث الثواني وليست الدقائق تكون حاسمة في حياة أو موت المصاب، أو شلله وإعاقته.
وشاهدنا كذلك وبكل أسى ومرارة، الشباب الفوضوي أو الهمجي الذين استغلوا المصاب الأليم، ولم تردعهم مشاهد ومناظر الجثث المتفحمة وأنين الجرحى وصراخ من حولهم، وأخذوا يسرقون وينهبون أحد المواقع التجارية المتضررة، بدون أي رادع ديني أو أخلاقي، أو حتى أمني، حتى اشتكى منهم رجال الإنقاذ، وتشابكوا معهم بالأيادي، على حسب تصريحات بعض المسؤولين الأمنيين من رجال إطفاء وشرط.
السؤال لو كان الحادث لا سمح الله من فعل فاعل، فكيف كان سيكون التحقيق فيه وجمع الأدلة للوصول للجناة؟! وساحة الحادثة قد عبث بها يمينا ويسارا. أي لو جمعت أدلة جنائية تدين الفاعلين، لما قبلتها أي محكمة، حيث كل شيء تم العبث به، في ساحة الجريمة، أي توجد هناك إمكانية وضع أدلة بواسطة مندسين، تدين طرفا ما، أو أشخاصا معينين. كما أن حشود المواطنين الذين تجمهروا في مكان الحدث، عرقلوا، حسب تصريحات بعض المسؤولين، عمل فرق الإنقاذ والإسعاف، وكان هناك خشية من انهيار الكوبري عليهم أو تسممات تصيبهم من الغازات المنبعثة جراء الحادث. وهنا ستواجه فرق الإنقاذ والإسعافات مهمات أخرى صعبة، هم في غنى عنها، في ظل مثل هذا الحدث الجسيم. وهذا دليل واضح، على أن الناس وصلوا لموقع الحادث، قبل الجهات المسؤولة وملؤوه قبلهم، وعلى ذلك فليتوقف الكل عن الحديث عن مهزلة الوصول للموقع بوقت قياسي. الأجهزة الأمنية، مع احترامنا الشديد لها ولجهودها وتضحياتها؛ إلا أن أداءها في حادث كوبري خريص، كان متواضعا وغير احترافي.
لقد فشلنا المرة بعد المرة في أن نخرج طلبة يعون ويدركون ما يفعلون، وهو أدنى ما هو مطلوب من التعليم، كذلك أجهزتنا بحاجة لأن تكون على مستويات الأحداث من ناحية الوقاية والجاهزية والتدريب، وإنا لمنتظرون.