في عام 1999 بدأت مجموعة من الشباب الصربي موجة احتجاجات على حكم الرئيس سلوبودان ميلوسوفيتش وأطلقوا على حركتهم اسم أوتبور (Otpor) الذي يعني "المقاومة"، وتبنت هذه الحركة فكرة التظاهر السلمي والكفاح غير العنيف من أجل إسقاط حكم الرئيس ميلوسوفيتش، وهو ما حدث في عام 2000 بعد نجاح هذه الحركة في إشعال فتيل ثورة شعبية ضده. حركة أوتبور تبنت أفكار أستاذ العلوم السياسية الشهير جين شارب (Gene Sharp) الذي كتب باستفاضة عن فكرة النضال غير المسلح، وأشهرها كتيبه: "من الديكتاتورية إلى الديمقراطية" الذي ترجم لأكثر من ثلاثين لغة، وتحول لكتيب إرشادات بالنسبة لكثير من الحركات السياسية والشبابية المناهضة لحكوماتها والساعية لإسقاطها من خلال بوابة العمل غير العنيف والتظاهر السلمي. تأثير أفكار جين شارب كبير، وقد عرضت قناة الجزيرة منذ مدة فيلما وثائقيا مترجما بعنوان "أستاذ الثورة" يتناول تعريفا بجين شارب وأفكاره ودوره في التأثير على عدد كبير من الحركات من خلال "مؤسسة البرت آينشتاين" التي أنشأها عام 1983 للتوعية والتدريب على أفكاره في هذا المجال.

حركة أوتبور الصربية تمثل الانتقال الأبرز لتطبيق أفكار جين شارب على الأرض من خلال ترجمة الأفكار إلى استراتيجيات وتكتيكات وآليات تنظيم وعمل وحملات ذكية، وكان لنجاحهم الكبير في إسقاط ميلوسوفيتش أن تحولت الحركة لرمز عالمي للمقاومة السلمية وخاصة بين أوساط الشباب، حتى شعارهم الشهير (قبضة اليد) انتشر في عدة أماكن حول العالم سواء بين الشباب المناهضين للرئيس بوتين في روسيا أو الثورات الملونة في دول الاتحاد السوفييتي السابقة أو حركات المعارضة الشبابية في أمريكا اللاتينية أو بين شباب الحركة الخضراء في إيران أو لبنان أو في مصر التي اتخذت حركة 6 أبريل من "القبضة" شعارا لها وظهر علمها بشكل لافت خلال الثورة المصرية. في عام 2003 قامت مجموعة من شباب أوتبور بإنشاء "مركز تطبيقات الاستراتيجيات والأعمال غير العنيفة ـ كانفاس" (Center for Applied Non-Violent Actions and Strategies - CANVAS)، وقاموا من خلاله بنقل تجربتهم وخبراتهم لغيرهم من المجموعات والحركات حول العالم من خلال تدريبهم على مجموعة المهارات التي اكتسبتها أوتبور، وكان لأعضاء أوتبور وكذلك المركز إسهامات في عدد من الثورات والحركات السياسية حول العالم كالثورة الوردية في جورجيا عام 2003 والثورة البرتقالية في أوكرانيا عام 2004 والثورة الصفراء في قرغيزيا عام 2005، كما كان لهم دور في تدريب أعضاء من حركة 6 أبريل المصرية، وهو الأمر الذي ظهر إعلاميا بعد الثورة المصرية وتصدر الرأي العام هناك لفترة.

مركز كانفاس له علاقة وثيقة بمؤسسات دولية مهتمة بالديمقراطية مثل "فريدوم هاوس"، وهناك مقالات تشير إلى أنهم من خلال عدد من المؤسسات يتلقون جزءا من تمويلهم من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) إضافة إلى عدد من المؤسسات الغربية الأخرى، كما تشير إلى علاقتهم الوثيقة بعدد من الحكومات الغربية، وأن ذلك سهل تمرير معلومات لهم حول الأوضاع في بعض الدول التي تستهدفها تلك الدول الغربية. هذا الأمر جعل مركز كانفاس على سبيل المثال في نظر البعض جزءا من مؤامرة دولية أو أجندة خارجية (غربية على الأخص) تستهدف تغيير الحكم في عدد من الدول من خلال عملية التحول الديمقراطي التي يدعو إليها، ولا شك أن هناك من يستقرئ الربيع العربي أو الحراك الشبابي فيه على ضوء هذا الأمر.

عملية تفكيك هذه المعطيات تستدعي عقلية سياسية تضعها ضمن إطار صورة أكبر وأشمل، فأحد تجليات العولمة التي نشهدها اليوم هو بروز الأفكار العابرة للقارات وصعود "المجتمع العالمي" (global society) المتجاوز للقومية المحدودة بدول أو مناطق. هذا الأمر يخلق في حد ذاته حاجات إنسانية متشابهة على امتداد العالم دون تقيد بحدود، ينتج معه نوع جديد من "أخوة الفكر" بين قطاعات من الناس على اختلاف جنسياتهم أو مذاهبهم. الشاب السعودي المتبني فكرا معينا قد يكون أقرب إلى شاب باكستاني يحمل نفس الفكر من شاب سعودي آخر له منظومة أفكار أخرى، وبالمثال فشاب سعودي آخر قد يجد نفسه أكثر توافقا فكريا مع شاب أوروبي أو أمريكي أكثر من جاره السعودي في مدينة أخرى. وشاب شيعي عراقي يعشق الطرب والسهر قد يكون أقرب لشاب سني سعودي يعشق الأمر ذاته من شاب شيعي إيراني يرفض الطرب والسهر. وهكذا تقود العولمة إلى صياغة حدود جديدة للتقاطع والتقارب بين الناس.

ما ينتج عن ذلك هو نوع من سيولة انتقال الأفكار والتجارب على امتداد العالم. قبل ما يقارب من عشر سنوات قدمت مؤسسة راند دراسة عن تنظيم القاعدة وهيكليتها، وكان اللافت للانتباه هو التشابه الكبير بين طريقة عمل كل من تنظيم القاعدة وحركة مناهضي العولمة التي سجلت أبرز حضور لها في 1999 في المظاهرات المناهضة لاجتماع منظمة التجارة العالمية في سياتل والتي تخللها الكثير من العنف بين قوات الأمن والمتظاهرين. الدراسة كشفت أن أسلوب التنظيم "الضبابي" والخلايا النائمة سمة مشتركة مستقاة بين الاثنين.

العولمة تغير اليوم كل قواعد اللعبة القديمة شئنا أم أبينا، حتى الدولة نفسها كمفهوم باتت تحت تأثير هذا التغير، وأحد التوجهات (trends) التي تتصاعد مع تعمق تأثيرات العولمة هو نزع احتكار الدولة للعمل العام، اليوم منظمات المجتمع المدني على سبيل المثال في كثير من الدول تقوم بعمل الوزارات، يتجلى هذا في أمثلة بعض الدول التي تتصدر فيها مثل هذه المنظمات مسؤوليات إصلاح التعليم أو التنمية الاجتماعية. بعض الحكومات في المقابل باتت تعتمد على هذه المنظمات كمصدر خارجي من خلال توكيلها بأعمال هي في صلب مسؤولية الحكومة (outsourcing). الحكومة اليوم تبعا للعولمة لم تعد محتكرة لكثير من فضاءات الشأن العام، هذا التغير في النظرة بات يعني أن مختلف تلك الحركات التي نقلت تجربة أوتبور مثلا كانت ترى لنفسها ذات حق نقل التجربة الخارجية كما لحكوماتهم حق الاستفادة من تجارب خارجية (كالتدريب الأمني المشترك مثلا). وهكذا ألغت العولمة احتكار الدول لقناة التلاقح والتناضح الخارجي بين المجتمعات بكل ما قد يعكسه هذا الأمر.

هناك عقلية قد تستقرئ الثورات الحادثة على أنها بتدبير فاعل واضح ومحدد انطلاقا من مؤامرة وأجندة خارجية ـ كما هو الحال في سورية - وتضع لها في المقابل قائمة حلول انطلاقا من هذه القراءة، وفي المقابل هناك عقلية سياسية قد تستقرئ الأمر في إطاره الأعم وهو كونه ارتباط ثورات متعددة على امتداد العالم هو في الواقع إرهاص لتغير يشهده العالم بالأساس، تغير يعيد تعريف مفهوم الدولة في العصر الحديث حيث "المجتمع العالمي" عابر للحدود وأكثر تأثيرا. شعار "القبضة" نفسه كان حاضرا في كل من مظاهرات حركة "احتلوا وول ستريت" في الولايات المتحدة، وكذلك في مظاهرات الشباب الإسرائيلي الكبيرة عام 2011 في تل أبيب، وأساليب أوتبور ذاتها تم اتباعها في كلتا الاثنتين.