"من واجب القائمين على المهرجانات وشؤون الثقافة العمل على تجسير الفجوة بين النخب، وفتح حوارات جادة حول مستقبل الثقافة العربية للخروج من أزمتها، ولن يتم ذلك إلاّ باحترام الإنتاج الفكري والفلسفي والإبداعي وتوسيع دائرة الحريات، وتعزيز روح الثقة والأمل والحضور بوجه ثقافات اليأس والقنوط والعولمة، ولن يتم ذلك إلاّ بالانفتاح على الثقافات الأخرى". مقطع مكثف وهائل مجتزأ بتصرف من مقالة عميقة نشرها الدكتور عبد الحسين شعبان قبل يومين في "الاقتصادية" تحت عنوان "مهرجانات الثقافة العربية من أصيلة إلى الجنادرية ـ الثقافة والإبداع من أجل التنمية!". حال خلاصك من قراءة المقالة إلكترونيا يلفت انتباهك خلو مربع التعليق من أي شيء، وهذه في حد ذاتها ظاهرة لافتة حول طبيعة المواد المغرية بالتعليق، وتتصل بسياق ما كان المقال يطرحه بعمق وسلاسة "لقد كان للثقافة الاستهلاكية وتدني مستوى التعليم وسيادة أشكال من الفن الهابط، إضافة إلى استفحال الصراعات الإثنية والطائفية والمذهبية وتهميش المرأة وعدم الاعتراف بحقوق الجماعات الثقافية والقومية والدينية والسلالية دور في نكوص ثقافة التنوير والعقلانية ودفع الأمور باتجاهات ضيقة تصادمية".
ولو كنت كاتب المقال لأوضحت ظانا بأن ما يدفع للضيق والتصادمية هو بنية التفكير المكرسة، التي تنطلق منها الأصوات التصادمية، هي ذات العقلية التي ترجع لقرون، وظلت ساكنة. يتغير المحتوى ولكن بآليات تفكير تظل واحدة لم تتزحزح قيد أنملة، فرفض الآخر/ المختلف وإقصاؤه أمر مسلم به حتى في اللاوعي.
المقال المهم كتب ليعلق على الاجتماع التحضيري للقمة العربية الثقافية المرتقبة الذي انعقد أخيرا في بيروت. ونُشر والاجتماعات التحضيرية للنشاطات الثقافية في مهرجان الجنادرية المقبل قد انتهت للتو في الرياض. وهي اجتماعات يعتقد البعض أنها باتت من النمطية ما يجعلها غير قادرة على السير بموازاة إيقاع العصر. ولعل هذه الرؤية تتسق مع ما ذكره شعبان في مقاله "إن المهرجانات يمكن أن توفر مكانا للحوار الجاد بين النخب، وبينها وبين السلطات، خصوصا إذا ما اكتسبت قيمة نقدية وجمالية بعيدا عن الإرهاب الفكري والتحريم والتجريم".
ولكن الذين لا يقتنعون بهذه الرؤية يمكنهم الاستناد لما قاله شعبان في المقالة ذاتها "إذا كان مهرجانا أصيلة والجنادرية قد نجحا فلأنهما امتلكا إدارة وتخطيطا وتنظيما وتنفيذا وتقويما لمراجعة أدائهما".
مؤكد أن الجنادرية المقبلة أمامها تحديات كثيرة، أولها شكل الدخول لربع القرن الثاني من عمرها، كي يكتمل نصف القرن ببهاء يؤكد الاكتمال بالنقد المستمر.