أقصد بالسؤال الذي وضعته عنوانا للمقال، نحن العرب. والسؤال هذا هو سؤال خاطئ ولا يجب أن نسأله، أو نتفوه به. أميركا أو غيرها من الدول العظمى، هي دول تبحث عن مصالحها الخاصة بها، وليست جمعيات خيرية أو منظمات حقوق إنسان دولية. ترتكز سياسات حكومات الدول العظمى على أجندات داخلية بحتة، تأخذ التطور والرفاه والصالح العام لشعوبها بوصلة لسياساتها، وهذا ما تم انتخابها من أجله، وتطمح بأن يعاد انتخابها على أساسه.
السياسات الخارجية للدول العظمى هي امتداد ودعم لسياساتها الداخلية، بشكل أو بآخر. سياسات الدول العظمى تصبح فاعلة في المجال الدولي عندما يؤثر الحراك الدولي، في مكان ما، على مؤشر نموها الداخلي سواء بالسلب أو الإيجاب؛ ما عدا ذلك ستتخذ موقف المتفرج منها مثلها مثل أي دولة صغرى، ما عدا تصريح لمسؤول درجة ثانية أو ثالثة في وزارة خارجيتها، إما شجباً أو تأييداً، من قبيل رفع العتب عن النفس.
في التاريخ القديم والوسيط، زمن القطب الواحد، كانت الإمبراطوريات اليونانية والرومانية وحتى العربية الإسلامية، ترسل جيوشها لتحتل وتسيطر على المناطق التي تعتقد بأنها مكسب لقوتها الاقتصادية، دون عناء يذكر للدبلوماسية. في العصر الحديث، وفي زمن تعدد الإمبراطوريات، أو ما نسميها الآن بالقوى العظمى، أو تعدد الأقطاب الدولية، تغيرت معايير القوى، وأصبحت الحروب أكثر تكلفة وتدميراً، ولذلك أخذت الدبلوماسية "السياسة الخارجية" مكانا بارزاً في إدارة شؤون الدول الخارجية؛ بالطبع مع عدم تخليها عن القوة العسكرية الضاربة. أي أخذت الجزرة تتحرك جنبا إلى جنب مع العصا، في سبيل حماية المصالح الداخلية، من العبث الخارجي.
والسؤال هو: ما المستجدات التاريخية التي جعلت من الإمبراطورية "القطب الواحد" التي كانت تتحكم بالعالم أجمع، جزءا من الماضي؟ الجواب باختصار هو الثورتان السياسية والصناعية، اللتان أنتجتا الديموقراطيات، في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي من جهة، واكتشاف آلة البخار وتشييد المصانع الضخمة، في منتصف القرن التاسع عشر، من جهة أخرى. وهذا ما جعل مواطني البلدان التي تبنت الإصلاحات السياسية، يتمتعون بسلطة اختيار حكوماتها بفضل ما تم التعارف عليه بالديموقراطية، وتحسن وضعهم المعيشي والصحي نتيجة الثورة الصناعية والعلمية؛ لدرجة لم يشهد الإنسان مثيلا لها بتاريخه الطويل. وهكذا أصبحت رفاهية الشعوب، بفضل الثورة الصناعية، مؤشر نجاح الحكومات في أدائها السياسي من عدمه.
وهكذا دخلت الحكومات في تنافس وسباق محموم فيما بينها، لتطوير صناعاتها واستثمار إراداتها المالية واستغلال موارد خاماتها الطبيعية لأقصى حد ممكن؛ مما أدى إلى تكدس الأموال في خزائن الحكومات الصناعية، وحولتها إلى دول عظمى متنافسة فيما بينها، بفضل إيراداتها وإمكاناتها الداخلية، من دون عناء الخروج من حدودها، كما كانت تفعل الإمبراطوريات القديمة. هذا التنافس المحموم بينها، لرفاهية شعوبها، أدى بها إلى الاصطدام بمعضلتين أساسيتين، هما الزيادة والنقص، الزيادة في تكدس السلع المصنعة لديها من جهة، ومن جهة أخرى، النقص بموارد خاماتها الطبيعية التي تحرك آلتها الصناعية. وهذا أدى إلى كسادات غير مسبوقة، هددت اقتصاداتها بالانهيار، ووصول الأحزاب الاشتراكية لدفة الحكم لديها. وقد ظهرت قوة جديدة فاعلة في هذه الدول وهي القوى الرأسمالية، من رجالات الصناعة والبنوك، التي شكلت قوة أساسية في إدارة تلك الدول. وللخروج من الأزمة الاقتصادية المتفاقمة لدى الدول الصناعية الجديدة، والتي تهدد السياسيين التقليديين والقوى الرأسمالية الناشئة فيها، تحالفت الطبقتان السياسية والرأسمالية، ورسمت خططا للبحث عن أسواق خارجية لتصريف سلعها المتكدسة من جهة، ومن جهة أخرى، عن مناطق خام طبيعي خارجية، لتحريك مصانعها في الداخل. ومن هنا بدأت حقبة، ما تم التعارف عليه، بالهجمة الاستعمارية على دول العالم، التي لم تدخل حقبة الثورة الصناعية والحقوقية، لا من بعيد ولا من قريب. وأدى هذا التنافس الاستعماري المحموم فيما بين الدول العظمى المسيطرة والناشئة حينها، إلى حربين عالميتين طاحنتين في القرن العشرين، الحرب العالمية الأولى والثانية. وهكذا برزت السياسة الخارجية للدول العظمى كذراع أمين لاستمرار وتدعيم التطور والرفاه داخلها والحفاظ عليه. فعلى سبيل المثال، تنفق دولة ألمانيا الآن، على وزارة خارجيتها وجميع سفاراتها وقنصلياتها في الخارج، ما مقداره 3% من ميزانية وزارتها للشؤون الاجتماعية، التي تعنى بالفقراء والمسنين والمرضى وذوي الاحتياجات الخاصة وغيرهم من المحتاجين، لرعايتها من شعبها.
وعلى هذا الأساس، فالبحث عن رفاه المواطنين والحفاظ على حقوقهم السياسية والإنسانية، هو مهمة حكومات الدول العظمى، داخل حدودها، أما ما يقع خارج حدودها، فهي ساحات مباحة لتعزيز هذه المهمة ولو أتت على حساب تعاسة الآخرين وبؤسهم، وانتهاك حقوقهم السياسية والإنسانية. فالتاريخ الحديث يعج بالأمثلة الفاضحة لأنانية الدول العظمى، فكم من الدول العظمى الديموقراطية تحالفت وحمت أنظمة ديكتاتورية وظالمة ومنتهكة لأدنى حقوق الإنسان، من أجل مكاسبها الاقتصادية السهلة والمريحة معهم، أو لكسب أصوات انتخابية داخلية من أجل "لوبياتها" القوية والمؤثرة داخلها. في عام 1948م، جمع الرئيس الأميركي آنذاك، هاري ترومان، جميع دبلوماسييه في المنطقة العربية، لإخبارهم بأن الولايات المتحدة سوف تعترف بدولة إسرائيل، وعليهم أن يبلغوا بذلك الزعماء العرب. فحذره أحد الدبلوماسيين بقوله: "إن هذه خطوة قد تكون غير موفقة، حيث إن أميركا ستضحي بصداقة مئة مليون مسلم، على حساب إرضاء عشرة ملايين يهودي في العالم". فرد عليه الرئيس ترومان بالتالي: "للأسف الشديد العشرة ملايين يهودي في العالم، لدي منهم هنا في أميركا خمسة ملايين، مستعدين للتصويت لي في الانتخابات القادمة ودعم حملتي الانتخابية؛ وأما المئة مليون مسلم فلا يوجد لدي هنا واحد منهم".
وعلى هذا الأساس، فلو أتى دبلوماسي أميركي آخر وقال للرئيس باراك حسين أوباما؛ إن عليه أن ينحاز للعرب على حساب إسرائيل، حيث مصالح الولايات المتحدة مع الدول العربية أكثر بكثير من مصالحها مع إسرائيل التي لا تذكر، فسيرد عليه الرئيس أوباما بالتالي: "صدقت، ولكن بانحيازنا لإسرائيل لن نخسر مصالحنا مع العرب، حيث الدول العربية لم تقرن مصالحها معنا بسياستنا تجاه القضية الفلسطينية، أي من ناحية المصالح المادية لن نخسر دولارا واحداً، ولكن بانحيازنا مع العرب قد سنخسر الانتخابات هنا في الولايات المتحدة؛ حيث تعرف مدى قوة وشراسة اللوبي الصهيوني لدينا. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، سنخسر كذلك أصوات اليهود هنا، التي لن تسمح لنا بالمساس بأمن ومصالح إسرائيل".
عندما اشتعلت ثورات الربيع العربي في تونس ومصر، وقفت الدول العظمى، في البداية، مع النظامين هناك ضد ثورتي شعبيهما؛ ولكن عندما أصر شعباهما على إنجاح ثورتيهما وأخذت تميل الكفة لصالحهما، بدلت الدول العظمى مواقفها سريعاً، ووقفت مع شعبي تونس ومصر، ليس حبا فيهما، ولكن خوفا على فقد مصالحها في الدولتين. إذاً فنحن من يجب أن يقرر ماذا يجب أن ننتظر من أوباما وغيره من زعماء الدول العظمى، لا هم؛ متى ما خرجنا من هامش المفعولين بهم، ودخلنا إلى حلبة الفاعلين معهم.