أذكر أن إحدى أهم النقاط التي علمنا إياها الدكتور عادل خليل عندما درست مادة مبادئ القانون لديه هي أن سن القوانين دائما أبطأ من الأحداث الداعية لسنها، وأن تطوير القوانين في العادة يأخذ وقتا طويلا، مما قد يفوت أحيانا الفائدة المرجوة من هذا التطوير أو يجعله تطويرا محتاجا في ذاته للتطوير ما لم يكن قد أخذ بعين الاعتبار المرونة المرتبطة بالمستجدات.

لدينا هنا في المملكة أنظمة حديثة، كان المقصود من سنها مواكبة المستجدات والمتغيرات ومتطلبات العصر، كثير منها تطلبته محاولات المملكة الانضمام لمنظمة التجارة العالمية، وأظن أن كثيرا من هذه الأنظمة قد قلب معادلة بطء القانون ليكون القانون سابقا في حداثته وقدراته عددا من الجهات الحكومية المعنية بها، والتي بقيت تصر على أن تسير وفق أنظمتها القديمة ولم تطور نفسها لتساير التطور النظامي المنشود، ولا أدل على ذلك من منظومة الأنظمة القضائية التي ما يزال الجهاز الإداري للقضاء عاجزا عن مواكبتها والوفاء بمتطلباتها، ويماثله في حداثة الأنظمة وبطء الأداء ما يتعلق بمنظومة الرهن العقاري ونظام الطيران المدني، وذلك على سبيل المثال لا الحصر.

على الرغم مما أوردت فيما يتعلق بحداثة بعض الأنظمة وقلبها لمعادلة السرعة والبطء، فإن هذه الأنظمة الحديثة عند سنها قد أغفلت أننا ما زلنا نعاني من عدد من الأنظمة التي أكل عليها الزمن وشرب، ونام واستيقظ، وهي ما تزال محلها لم تتبدل ولم تتطور رغم أهميتها ووثاقة علاقتها بعدد من الأمور والشؤون المحورية في حياتنا.

إذا نظرنا إلى التجارة باعتبارها في مفهومها العام عصب الاقتصاد والمعيشة في حياتنا اليومية، وذلك بدلالة أن أنظمة التجارة كانت من أول الأنظمة التي سارعت المملكة لإقرارها عند تأسيسها، وذلك من خلال نظام المحكمة التجارية الذي صدر عام 1350 هـ. بحساب بسيط نجد أن هذا النظام عمره الآن 83 عاما، وعلى الرغم من ذلك فإنه ما زال ساريا حتى اليوم على الرغم من أن كثيرا من أحكامه قد توزعتها أنظمة أخرى فيما بينها، وشيء من أحكامه اندثر بحكم تغلب الممارسة وواقع الحال على النص.

سن الـ60 هي سن التقاعد للبشر وهذا النظام قد تجاوز سن التقاعد بـ23عاما. قراءة هذا النظام أحيانا تشبه الغوص في أعماق التاريخ أو السير في حقل من الألغاز القانونية، إذ إنه من الصعب التعرف على المواد السارية أو الملغاة دون أن تكون على علم بالأنظمة الأخرى التي ألغت هذه المواد، مثل نظام الدفاتر التجارية ونظام حسم المنازعات التجارية الذي حل محله نظام ديوان المظالم، ثم التطور الأخير للنظام القضائي الذي ما زال معلقا من الناحية التطبيقية. وهنالك أنظمة أخرى ذات علاقة بهذا النظام ألغت أجزاء منه مثل نظام التحكيم في نسختيه القديمة والحديثة، ونظام الشركات الذي يحتاج هو في ذاته إلى تحديث وتجديد.

تجد في نظام المحكمة التجارية بعض المصطلحات التي ما زالت "من الناحية القانونة الصرفة" سارية لأنه لا يوجد نص نظامي معين سواء في هذا النظام أو في غيره يشير إلى إلغائها رغم أن أنظمة أخرى انتزعت الاختصاص منه انتزاعا، ومن هذه المصطلحات مصطلح "المملكة الحجازية"، "رئيس الحكومة في البلدة"، "العلم العربي الحجازي" فيما يتعلق بالسفن. وللعلم فقط فإن النسخ الرسمية من النظم ما زالت تصدر بهذه المصطلحات!

نظام الشركات أيضا صدر عام 1385 أي أن عمره الآن 49 عاما وهو ما يجعله في عرف عالم الشركات نظاما غير مواكب لمتطلبات العصر وما وصل إليه مفهوم الشركات وآليات التعامل مع مسؤولياتها وحصصها وأسهمها وحالات الإفلاس والتداول والبيع والشراء. النظام بصيغته الحالية لا يساعد أبدا على تطور بيئة الشركات وعلى أن نكون خلاقين في التعامل مع مستجدات العمل الجاري بما في ذلك ما يتعلق بالاندماج والاستحواذ.

ليس الأمر مقصورا على الأنظمة التجارية بل يمتد ظله ليلامس أنظمة أخرى في غاية الأهمية، مثل نظام جباية أموال الدولة الذي صدر عام 1359هـ وما زال ساريا حتى اليوم ونجده في المادة الثانية منه يشير إلى "مدير المال" و"القائمقام" وهما لقبان انتهى العمل بهما منذ أمد بعيد.

ما زال نظام الطرق والمباني ساريا حتى الآن على الرغم من التداخلات مع الأنظمة الأخرى وتغير الاختصاص. نظام نقابة السيارات الصادر عام 1372 ما زال أيضا كما هو حتى اليوم مع بعض لمسات تعديلية، لكنه حتى الآن ما زال ينص على أن مرجع النقابة هو المديرية العامة للحج والإذاعة، إذ لم تعدل هذه المادة حتى الآن. إن الإشارة في متن النظام للمديرية العامة للحج والإذاعة تغني عن الحديث عن باقي النظام ومدى تواؤمه مع تطورات الحج ومتطلبات نقل الحجيج.

إننا في حاجة لحل ناجع لهذه الأنظمة التي لم تعد تناسب ما تطمح إليه الدولة من تطور ومن تقدم في جميع المجالات وعلى جميع الأصعدة، وذلك من خلال إعاد النظر فيها، حديثها وقديمها، وإصدار منظومة قانونية متناغمة متجانسة تراعي الهيكل النظامي لأجهزة الدولة واختصاصاتها وتعالج الثغرات التي عجزت تلك الأجهزة حتى الآن عن أن تواكبها وتتطور بموجبها، وتلك التي عجزت الأنظمة ذاتها عن احتوائها من خلال نصوصها.