لا بأس به من تقليد يتبعه الكاتب أن يكون صوتاً للقارئ؛ ورغم أن صحيفة الوطن – مشكورة - أفرغت مساحة كافية لأقلام القراء، فإن بعض الرسائل التي تصل للكاتب تستحق أن تنشر في صفحة الرأي، وذلك لأهميتها من جهة ولما تحمله من صوت صادق من جهة أخرى، وقد كنت منذ 3 سنوات نشرت مقالة بعنوان (لا أطعمونا ولا تركونا نأكل من خشاش الأرض) وهي رسالة فتاة عضلها والدها عن الزواج ومنعها من العمل، وإذا كنت في مقالتي السابقة تعرضت لحالة الطبيبة الجراحة التي يعضلها والدها عن الزواج، فمن حق الفتيات العاطلات عن العمل أن أعطيهن هذه المساحة بعد أن أرسلت إحداهن إلى موقعي الشخصي رسالتها بالعنوان الذي وضعته للمقالة.

أنا واحدة من أكثر من 300.000 ألف عاطلة عن العمل، عاطلات عن العمل دون سبب، أريد أن يصل صوتي كما هو لأصحاب الشأن في وطني، فقد أعيتني الحيلة في أمري وأنهكني الظلم في أخذ حقي، أريدهم أن يعرفوا ماذا تعني لي الوظيفة؟!

الوظيفة تعني لي الوجود: ما أتركه من أثر هو الذي يعطي وجودي.. وكيف يكون هناك أثر لمن لا يملك شيئا؟ الوظيفة تعني لي الحياة: فالحركة حياة والسكون موت، العطاء والبذل حياة والفقر والحاجة موت ....الوظيفة تعني لي الانتماء: الانتماء إلى الإنسان.. بالمشاركة مع بني جنسي فيما تعارفوا عليه من طرق إعمار الأرض والسعي فيها.... ثم المشاركة في بناء وطني بما تتوق وتهفو إليه ذاتي وروحي ...أليس هذا الوطن لي ولنسلي من بعدي؟ هذا الوطن إرثي من آبائي وأجدادي.. سأكون فخورة أن أُورّثه للجيل الذي بعدي بأبهى وأجمل واقع أستطيع أن أشارك في صنعه، والبهاء والجمال كامنان في داخلي ..أنا فرد من أفراد هذا الوطن.... ومن كل هذا.. من الحياة والوجود والانتماء... تولد الكرامة.

فالكرامة لدي ألا أجوع وأنا قادرة على كسب ثمن طعامي. الكرامة عندي ألا أعرى بخرق من القماش البالي وأنا قادرة على كسب ثمن ملبسي. الكرامة في ألا أبقى بلا دواء في مرضي وأنا قادرة على كسب ثمنه. الكرامة ألا أعاني البرد وأنا قادرة على كسب ثمن لحافي. الكرامة في أن أمشي في نفس الطريق الذي يمشي فيه القادرون على الحياة الكريمة بلا ذل ولا سؤال. الكرامة ألا يتهمني أحد بالعجز وعدم أهميتي دون بينة أو شهود.

أنا قادرة على كسب ثمن ما يدفع عني بعد الله كل ذلك..... اتُهمت بالعجز عن شغل الوظيفة التي تأهلت لها لأربع سنوات من حياتي. هل وجب علي أن أكون بلا وظيفة لسـت سنوات أخرى من حياتي.. والعمر يمضي.. دُمّر حلمي في أن أتسلّم وظيفتي أول شبابي....كل ذلك تم بأي حق وبأي حجة؟!

هل تظنون أنني وحدي في ذلك؟! لا ...معي ما يتجاوز الثلث مليون فتاة وامرأة.. أخوات لي مناضلات رائعات، باذلات كما فعلت وأفعل.. لأسباب الحياة والسعي على هذه الأرض... لسن كلهن بالضرورة يبتن الليل مريضات جائعات أو يقضين يومهن مكتسيات خرق القماش البالية ... لكن كلهن بكل تأكيد شاركنني قفص اتهامنا بالعجز وانعدام جدوى ما قد فعلناه لنستحق تلك الوظيفة .. شاركنني الشعور في أننا صفر جهة اليسار لا قيمة له... في تجاهلنا لسنوات طويلة من حياتنا التي لا نعلم متى تنتهي... أضنانا التجاهل والانتظار. احتارت العقول والأفهام.

العمر ثمين... عمر الإنسان لا يقدّر بثمن... فكيف يكون - عمرالإنسان وحياته - في وطني بلا ثمن؟! أين يريدون - من فعلوا بي هذا - أن أضع ما بقي لي من عمر الشباب؟ أين؟ أنا إنسان ... لي رغباتي وأحلامي.. لي حق العيش بكرامة دون ذل السؤال والحاجة والافتقار لأبسط أساسيات الحياة!

وطني عامر بالخير العظيم... أرى كل ذلك في كل مكان منه، في كل ركن من أركانه، خيره طال البعيد والقريب. أحس بهالة هذا الخير من حولي، أراه وأسمعه وأشمه، هو قريب جدا مني، لكن يدي لا تطاله؛ وإن طالته دون إذن كانت اليد معتدية آثمة، فهو بعيد المنال بلا سبب يشفي الغليل ولا منطق يكتفي به العاقل.

قالوا: لا وظيفة بعد اليوم لحاملة شهادة الثانوية العامة، قلنا: إذن ما الطريق إلى الوظيفة؟ قالوا: لا سبيل إلا..... حمل شهادة معهد المعلمات، قلنا: حسنا لا مشكلة.. هكذا لبرهة من الزمن؛ ثم قالوا: لا وظيفة إلا بشهادة البكالوريوس!. قلنا: أبشروا لن نختلف معكم وسيكون الختام خيرا لنا... لكنهم بعد ذلك صمتوا... لم يعد هناك كلام.. لقد حصلنا على البكالوريوس ولم نحصل على الوظيفة.... لقد فعلنا الذي علينا فأين الذي وعدنا به؟!

لا أعلم أحدا يأكل ويشرب ويلبس ويتداوى بغير مال!...من أين لي بالمال لكي أعيش بكرامة بلا ذل ولا مهانة؟! أين النتيجة المنطقية لهذا التعب والشقاء والجهد والنضال؟! سؤال أحاول منذ أكثر من 2000 يوم بلياليها أن أجد إجابة مقنعة له دون جدوى، ولن تكون هنالك إجابة ...هذا ما أقول ...عن إيمان ويقين.

أريد العدالة في إعطائي حقي في الوظيفة.. أريد حقي في إعطائي فرصتي في الحياة كما سنحت نفس الفرصة لغيري من قبلي ....كل ما أريده هو فرصتي في العيش الكريم على أرض وطني فقط لا غير!

هذا جزء من رسالة الفتاة العاطلة، وهي تعرض المشكلة، وأما الحلول فهي معروفة وموجودة وتتم مناقشتها في كل وسائل الإعلام، والحل الأنجع هو الذي يقف على ساقين: التخطيط والتنفيذ وإن كان لا بدّ من العصا المساندة للساقين ألا وهي الرقابة الفاعلة!