كل جريمة تقع على وجه الأرض تحوي شقين مهمين: حق خاص وهو الحق الخاص بالمجني عليه وهو الذي لا يمكن لأي قاض أن يسقطه ما لم يتنازل عنه المجني عليه. الشق الآخر هو الحق العام وهو حق المجتمع من الجاني وهو ما تقوم بتمثيله بالنيابة قطاعات عدة كالادعاء العام وهنا مربط فرس ضياع الحقوق واستمرار الانتهاكات المجتمعية.
قضايا التعنيف الأسري وتعنيف الأطفال، والتي للأسف أصبحت ضيفا دائما على صفحات الصحف ووسائل الإعلام في دلالة سيئة لضعف البنية القانونية الحالية والتي أبدعت في اختزال هذه القضايا جنائيا ليعفو المجني عليه أو ذووه فيسقط حقنا المجتمعي في ظل انعدام المؤسسات والجمعيات الأهلية المدنية التي تمثل أفراد المجتمع.
لا يخفى على الجميع تركيبة المجتمع وثقافته في التوسط للعفو في القضايا الجنائية والتي تم استغلالها من قبل فئات المجتمع ذات الغلبة بظلم للضغط على المعنفين أو ذويهم للتنازل عن حقوقهم الخاصة لعلمهم بأن الحق العام سيسقط بشفاعة قبلية ليضيع دم المعنف ودمع المجتمع بين ضعف القانون وطغيان الخصوصية المجتمعية.
قتلت لمى وذرفنا أدمعنا الموسمية في ذكرى غصون وأحمد وغيرهم في قاع جبل جليد التعنيف والتعذيب، وظللنا نترقب بيانا أو تصريحا من الادعاء العام الذي يمثل المجتمع وحقه العام ولكن ما زال الصمت سيد الموقف باستثناء التصريح الجنائي المعتاد المتعلق بالحق الخاص، ماذا عن حقنا العام؟
الحق العام في قضايا التعنيف هو الأساس لسن القوانين والتشريعات الخاصة بحماية الطفل والأسرة وتغييبها والتنازل عنها بالنيابة عن المجتمع هو دلالة على عدم الجدية في التصدي لهذه الظاهرة. الحق العام في قضايا التعنيف يتجاوز الجاني ويصل للقطاعات الحكومية التي تابعت قضية لمى منذ ثمانية أشهر وقبلها من دون حراك يذكر. الحق العام في قضايا التعنيف هو الجذع الذي من المفترض أن يتمسك به الادعاء العام ولا يقبل بأي تنازل لعل الخوف من المحاسبة يدب من جديد في القطاعات التي ركنت لحقيقة إسقاط الحق العام المستمر في قضايا التعنيف.
مللنا من الوعود الفارغة بسن قانون حماية أسرية فشلنا في المحافظة عليه مع الأمم المتحدة منذ توقيع اتفاقية حقوق الطفل عام 1996.
هذا الفشل لم يقف عند خرق المادة 19 من هذه الاتفاقية على مر عقدين من الزمن وإنما جاوزه بأن عدد حالات تعنيف الأطفال في المملكة في تقرير اليونيسف عن وضع الأطفال عام 2012 هو صفر! أي أن المملكة ممثلة بوزارة الشؤون الاجتماعية قامت باستغفال العالم أجمع بأنه لا يوجد لدينا تعنيف مع أن قضايا تعنيف أطفالنا تصدرت بعضا من الصحف العالمية!
لا نعول على أي من هذه الاتفاقيات الدولية ولا الالتزام بها، حيث إن هذه المشكلة مجتمعية ولها خصوصية لدرجة أنها لا بد أن تحل من أفراد المجتمع أنفسهم والحل يبدأ بعدم التنازل عن الحق العام في أي قضية تعنيف أيا كانت وأي تنازل بالنيابة عن المجتمع هو باطل، إذ لا يوجد ما يشفع لمعنف قام بقتل طفلة في الخامسة من عمرها أيا كان تاريخه الماضي أو المستقبلي ولا يوجد ما يشفع لقطاعات لا تتحرك حتى لقتل الأطفال، فعلى ما يبدو أن حالات التعنيف يتم إخفاؤها بسحر اليد الواحدة التي قامت في زمن ماض بعد حالات التعنيف.
ما زلنا بانتظار تصريح الادعاء العام بخصوص حقنا العام في قضية لمى وبانتظار أن يفرج الله ولادة القانون المتعسرة لإقرار تشريعات حماية الأطفال.