أظن أننا مطالبون بإعادة التفكير بقضية من أهم القضايا التي تشغل بال إخواني وزملائي المبتعثين في أرجاء الكرة الأرضية الواسعة. القضية هي المطالبات التي نسمعها أحيانا بضرورة توفير فرص وظيفية للمبتعثين حين عودتهم، وهذا جدال كبير دار ومازال.

ورأيي في المسألة أن دور الأجهزة الحكومية ليس توفير فرص عمل للمبتعث حال عودته، لأن الهيكل الإداري الحكومي عادة لا يوفر فرصا جيدة تكافئ الشهادات الدراسية للعائدين، لكن المكسب المهم للمبتعث العائد هو تغيير نمط التفكير، والبحث الحر عن فرص سانحة في القطاع الاقتصادي الواسع. بمعنى أن على المبتعث استثمار تجربته الناجحة الحياتية والثقافية والتي توجها بشهادة جامعية خارجية بتخصص ما في مشروع استثماري حر بعيدا عن تعقيدات البيروقراطية، والإجراءات والبيئة الحكومية النمطية التي لن تفيده كثيرا.

إن شروع أي مبتعث فور عودته من الابتعاث في البحث عن مشروعه الخاص بعد أن تغير نمط تفكيره، واتسعت آفاق مداركه، مضافا لذلك تحصيله العلمي لهو جوهر عملية الابتعاث وسرها الحقيقي، لأننا لا نريد حقا إنتاج جيل من البيروقراطيين الإداريين، بل رفد المجتمع بخبرات حياتية، وثقافية، وتعليمية مميزة مندفعة راغبة في تكوين ذاتها وصناعة تجربة نجاح حقيقية وعميقة بعيدا عن التراكمات السابقة. المبتعث حينما يعود إلى وطنه يشكل رافعة جديدة وجملة من الأفكار التي يغذيها الحماس والاندفاع، والتي لن يتسع لها أو يستطيع استيعابها الإطار الرسمي الحكومي الذي يعاني وسيظل يعاني. صحيح أن هناك كثيرين لا يملكون إمكانات مادية تمكنهم من بدء مشاريعهم الخاصة، لكن التجربة بحد ذاتها تستحق المغامرة، لأن الابتعاث بحد ذاته مغامرة أكبر وأخطر، لذا فلا مجال للتردد، لأن المرحلة الصعبة قد انقضت.

أعرف أن هذا قد لا يعجب بعض إخواني وزملائي، لكنها الحقيقة، والواقع الذي يجب أن يواجهوه، فالفرص وطلبات التوظيف لن تطرق أبوابهم، بل عليهم أن يذهبوا إليها وينتزعوها بجهدهم وأفكارهم وتجربتهم في الاغتراب ومجتمعاته، والتي حتما غيرت نمط تفكيرهم، ووسعت مداركهم، وفتحت عيونهم على فرص لم يكونوا يدركون وجودها، وهي التي يجب عودتها معهم.