معادلة منطقية لا بد أن تخضع للملاحظة والتدقيق وهي (أن كل ناقد مثقف وليس كل مثقف ناقدا). وبهذه التعادلية المنطقية ننظر في واقع النقد في الوطن العربي وممارسات وتفعيل النقد والنقاد، ومراس المثقفين على الساحة الفنية والإبداعية في الوطن العربي بأكمله مما أصاب الإبداع والمبدعين في شتى الميادين بالانتكاسة والإحباط ومما خلق معطى مترهلا باهتا يقتات على رفات الماضي وأمجاده.
في بداية الأمر علينا أن نعرف من هو المثقف وما هي الثقافة، لأن أحدا من قرائي الكرام طلب منى تعريف معنى الثقافة ومن هم المثقفون.
والحقيقة أن هناك خطأ شائعا حين نعتقد أن الثقافة (Culture ) هي زيادة في العلم والمعرفة ومن دون ذلك فليس بمثقف، وإنما مفهوم الثقافة هي كل السلوك الإنساني الذي استقاه الفرد منذ نعومة أظفاره حتى الممات، أي كل ما تسبغه عليه البيئة المحيطة وكل ما هو مكتسب فهو ثقافة وكل ما هو فطري فهو طبع، والطبع يختلف عن الثقافة وإن التقيا معا. وبالتالي فكل البشر مثقفون (Intellectuals ) بمجموعة المكتسبات وهو ما يسمى في علم النفس (الإطار المرجعي)، وأطلق عليه الفلاسفة المسلمون (الحافظة)، وأسماه فرويد (لوح النقش)، وبعض الباحثين يطلقون عليه مسمى التاريخ، أي تاريخ الشخصية. هذا الوعاء هو الحاوي لكل ما يسمى بالثقافة، ومن هنا يصبح جميع البشر مثقفين لأن كل فرد يحمل ثقافة بيئته وشعبه. ولكن الثقافة استعملت في العصر الحديث للدلالة على الرقي الفكري والأدبي والاجتماعي للأفراد والجماعات. كما يذهب البعض إلى أن "الثقافة ليست مجموعة من الأفكار فحسب، ولكنها نظرية في السلوك بما يرسم طريق الحياة إجمالا، وبما يتمثل فيه الطابع العام الذي ينطبع عليه شعبٌ من الشعوب، وهي الوجوه المميّزة لمقوّمات الأمة التي تُمَيَّزُ بها عن غيرها من الجماعات بما تقوم به من العقائد والقيم واللغة والمبادئ، والسلوك والمقدّسات والقوانين والتجارب. وفي الجملة فإن الثقافة هي الكلُّ المركَّب الذي يتضمن المعارف والعقائد والفنون والأخلاق والقوانين والعادات".
فالثقافة هي مجموعة الخبرات السلوكية التي يمارسها الفرد باختلاف الحضارة التي تعنى بمجموعة الخبرات السلوكية التي يمارسها مجتمع أو جنس أو عرق.
أما في التعريف اللفظي للثقافة فهي (تعني صقل النفس والمنطق والفطانة، وفي القاموس المحيط: ثقف ثقفًا وثقافة، صار حاذقًا خفيفًا فطنًا، وثقَّفه تثقيفًا سوَّاه، وهي تعني تثقيف الرمح، أي تسويته وتقويمه)، ومن هنا يأتي صقل المعلومات والمعطيات، وهي كلمة عربية الأصل فقد وردت في القرآن الكريم.
أما الناقد فهو بلا شك أشمل من المثقف كما أسلفنا في المقدمة المنطقية، لأنه لا ناقد بدون ثقافة وإنما هناك مثقف ليس بناقد. فالنقد له معيار وميزان ينتهجه الناقد من مناهج ومدارس نقدية تتابعت مع تتابع الزمن والفلسفات والبنى الاجتماعية، ولا يتسع مقالنا هذا لذكرها، ولقد أنشأنا لها (موسوعة نقد النقد)، وهي أول موسوعة في هذا المجال.
ولتعريف الناقد(Critic) فهو( ذلك الوسيط بين المرسل والمتلقي الذي يقوم بتوصيل الرسالة عن طريق التحليل والتفسير)، والنقد(Criticism) هو إبراز الغث من السمين في الأعمال الإبداعية بطريقة التحليل والتفسير بهدف توصيل الرسالة إلى المتلقي حسب معيار نقدي متفق عليه.
وبهذا يتضح لنا ذلك الفرق الكبير بين المثقف والناقد حسب ما طرحناه من تعريفات ومفاهيم.
إن ما يخلخل الأطر الإبداعية في يومنا هذا هو تدخل النقد الانطباعي، وهو إبداء الرأي حسب الانطباع والهوى دون معايير نقدية متبعة وغير قائم على أسس نقدية، فليس بالضرورة أن يكون الشكل الجيد ينم عن مضمون جيد، كما أنه ليس بالضرورة أن يكون المضمون الجيد ينم عن شكل جيد. وهنا فقد وجب التخصص في النقد حسب مناهجه ومدارسه وأساليبه وطرائقه. والناقد الأدبي يختلف عن الناقد المسرحي، والناقد الفني يختلف عن كليهما، فلكل منهم مداراته وتخصصه بالضرورة.
فلم يتدهور الإبداع في عصرنا هذا إلا بتدخل النقد الانطباعي، فالمثقفون يُنصبون أنفسهم نقاداً، وهذا لا يليق بمكانتهم وبوعيهم وبثقافتهم، فالناقد هو المنوط به خوض غمار إصدار الأحكام بموضوعية وبعلم ودراية، فكيف لنا أن نرى أحد أو إحدى الصحفيين يرأس لجان التحكيم أو يشارك فيها في أحد المهرجانات المسرحية الذي يفترض أنه مهرجان عربي!. أليس حريا بالقائمين على المهرجان أن يفرقوا بين الناقد والمثقف، وذلك لأن الناقد أشبه بقاضٍ يصدر حكمه في قضية وله دفوعه وقوانينه، فأنى لذلك الصحفي بالمعايير؟!
ثم إن هناك معضلة أخرى في عالم النقد والتحليل وإصدار الأحكام وهي تدخل النقد في النقد! وهو عندما يخضع النقد (لشخشخة الجيوب). إن انحدار مستوى الإبداع يرجع إلى اختلال المعيار، فوطننا العربي يحيا أزمة نقد لا محالة نتاج تداخل التخصصات والأمزجة والأهواء والشللية والمصالح، والكل لا يدرك مدى تأثير ذلك على بناء المجتمع ووعيه وتكوينه، فجميع ما يعرض ما هو إلا (حقن تحت الجلد) لتتأثر بها المجتمعات وهنا تكمن الخطورة بين ما هو تأثيري وما هو موجه، وبالتالي تصطبغ البيئة والمجتمع بأوبئة وأمراض لا فكاك منها إذا ما تهاوى النقد، وعلى عكس ذلك أن نهضة الإبداع نتاج نهضة النقد.
ولنا في مسرحية (بيت الدمية) للكاتب النرويجي (هنرك ابسن) - في القرن الثامن عشر - خير دليل لما أحدثته هذه المسرحية من تغيير مجتمعي حتى قيل إنه حينما خرجت نورا (بطلة الرواية) وصكت باب منزلها، اهتزت جدران أوروبا من صفقة بابها، ولكنه زمن كان يحيا وعيا نقديا جيدا وأيضاً مُستقبلا يستوعب النقد ويفهمه.
لسنا نحيا أزمة إبداع كما يظن البعض، وإنما نحن نحيا أزمة نقد، وأزمة موضوعية، وأزمة تضخم ذات تقتل كل إبداع زخمت به خزائننا، ويحتاج إلى تقييم أو تقويم. فمتى نرى جمعية أو كيانا للنقد والنقاد ينتسب إليه كل ناقد عربي متخصص ويُقصي ما دون ذلك بل يحاسب كل من يمتهن النقد دون تخصص وعلم ودراية كما يحاسب ممتهن الطب بدون شهادة، ويحاسب أيضا كل ناقد أخل بمهنته وانثنى عنها نحو الشللية أو (شخشخة الجيوب) أو مصلحة خاصة.