تكملة السؤال: لماذا نجحت المقاومات العربية في ردع إسرائيل؟ هي: ولماذا أخفقت الجيوش العربية الرسمية في ردع إسرائيل عن غيها وتغطرسها، وإيغالها واستمرارها في إذلال العرب؟ الجواب عن هذا السؤال الاستراتيجي، يحتاج إلى قراءة متعمقة للتاريخ العسكري العربي من ناحية القوة العسكرية العربية التاريخية المتكونة من الإمكانيات والقدرات، وحسن التخطيط وسلامة الإدارة والأداء. أي بأن الجواب يحتاج لقراءة التاريخ العربي وتفكيك تراثه العسكري وإعادة بنائه لاستيعاب ما يجري اليوم من حروب عربية إسرائيلية، وفهم نتائجها على أساسه.
وبما أن الأمة العربية نشأت وترعرعت في الجزيرة العربية، ذات البيئة الصحراوية؛ فهي إذاً أمة مقاتلة بكل ما تعنيه الكلمة. حيث مهنة القتال، هي أهم مهنة عند الأمم الصحراوية، كون بيئتها الفقيرة تحتم عليها دوام الكر والفر، من أجل بقائها على قيد الحياة. ولذلك لو حذفنا تاريخ الحروب والمغازي من تاريخ العرب قبل الإسلام، لخرجنا بتاريخ مليء بالطلاسم، وممل.
عندما قامت الدولة العربية الإسلامية، استفادت قيادتها الواعية بإمكانياتها وقدراتها، استفادة قصوى من الميزة القتالية المتفوقة - والمتشتتة - عند العرب، ولمت شملها وجمعتها في جيش واحد، لدولة واحدة وتحت قيادة واحدة؛ ولذلك قطفت ثمارها بكل ذكاء ودراية وتخطيط سليم؛ وفي أقل من قرن، جعلت منها أقوى دولة عسكرية عظمى في العالم؛ اجتاحت الأطراف القريبة والقصية منها، من حدود الصين شرقاً، إلى حدود فرنسا غرباً من دون عناء يذكر. سر الميزة القتالية العربية، تكمن في مذهبها العسكري المتفوق على غيره من المذاهب العسكرية، التي تعتمد أسلوب القتال غير المباشر، من ناحية الاستراتيجية والعملياتية والتكتيكية، وتستبعد الأسلوب التقليدي المباشر للحرب.
وصف الله تعالى في القرآن الكريم، الأسلوب العربي في الحرب بإيجاز جميل، "والعاديات ضبحا؛ فالموريات قدحا؛ فالمغيرات صبحا؛ فأثرن به نقعا؛ فوسطن به جمعا"؛ فالعاديات ضبحا، هي الخيل التي تجري في الغزو بأقصى سرعتها، والموريات قدحا، كناية عن سرعتها كذلك، حيث حدوة الخيل الحديدية، تقدح شررا عند احتكاكها بالحصى، وكذلك كناية عن كونها تغير بعد الفجر، في بداية ظهور الضوء، وتؤكد على ذلك الآية، فالمغيرات صبحا. فأثرن به نقعا، أي أن الفرسان المغيرين يحدثون غبرة حولهم، بواسطة حركة خاصة بحوافر خيولهم، تجعل الخصم، لا يعرف عددهم، وهذا ما تقوم به الآن القنابل الدخانية الساترة للرؤية. فوسطن به جمعا، أي تلتف على جنبات الخصم، ولا تصطدم معه جبهوياً؛ وذلك لإحداث صدمة نفسية قوية له، تقتل لديه إرادة المقاومة ثم القتال، فيستسلم أو يفر طلباً للنجاة. وهذا الأسلوب الذي أقصده بغير المباشر في القتال، وهذا ما تميز به المذهب العسكري العربي، قبل الإسلام وبعده. وهو ما جعل الحروب العربية أقل دموية عن غيرها من الحروب، وأكثر فاعلية وسرعة في تحقيق النصر. فمفهوم الحرب هو قتل أو شل الروح القتالية عند الخصم، واستسلامه وفرض الإرادة عليه. وليس مفهوم الحرب هو قتل وتدمير الخصم؛ حيث لو فعلت ذلك فلن تجد من يستسلم لك أو تفرض عليه إرادتك وشروطك؛ وهذا ما عنيت به بالأسلوب المباشر للحرب.
قادة جيوش الدولة العربية الإسلامية، أداروا حروبهم بالمذهب العربي المتفوق للحرب، وعلى هذا الأساس تراكمت لدى العرب تجربة عسكرية غنية جداً، لا تضاهيها تجربة مماثلة في التاريخ العسكري العالمي. ولكن في منتصف عهد الدولة العباسية، تم تهميش العرب قادة وجنودا، واستبدالهم بالفرس ثم السلاجقة؛ وهنا انقطعت خبرة العرب التراكمية المتميزة في إدارة الحرب، عن أجيالهم التي تلت، عدا الحروب ضد الصليبيين والمغول، التي كذلك قادها الكرد والمماليك. ثم أتت الدولة العثمانية التي عزلت كذلك العرب عن إدارة الحرب الرسمية والسياسية كذلك، مما عزلهم تماماً عن الخبرة العربية المتميزة المتراكمة في إدارة الحرب وكيفية استثمارها سياسياً.
إذاً نحن في مواجهة أزمة حضارية ومعرفية عربية عويصة وعميقة، وهي الفجوة التي مدتها أكثر من ألف سنة، والتي قاد غير العرب فيها العرب، وحرموهم من قيادة أنفسهم عسكرياً وسياسياً، حتى بداية العقد الثاني من القرن العشرين. وهذه الفجوة في الاتصال والتواصل بين الأجيال العربية الأولى والتي تلتها، حرمتهم من ميزة التراكم الخبراتي والمعرفي مع حضارتهم وثقافتهم العربية الأولى، وعلى رأسها الخبرة العسكرية والسياسية؛ أحدثت قطيعة طويلة بين العربي الحديث والعربي الأول، عربي القوة والحضارة. عندها أصبح التاريخ العربي لا يعني شيئا يذكر للعربي الحديث، كون تجربته انقطعت عنه لحوالي ألف سنة.
في بداية العقد الثاني من القرن العشرين، انسحبت الدولة العثمانية من العالم العربي، وتركت العرب يعاركون الهجوم الغربي عليه، بدون خبرة لا عسكرية ولا سياسية، ولا حتى حضارية، يقاومون بها الغازي الجديد، وأصبحوا كالأيتام على مائدة اللئام. وفوق كل هذا وذاك، لا خبرة ولا تراكم معرفيا لديهم، حتى لبناء حياتهم السياسية والمعرفية، ناهيك عن العسكرية، التي أخذت تخضع لمعطيات حديثة وجديدة، لا علم لهم بها. لوضع القارئ بالصورة، آخر شاعر عربي فحل، عرفناه هو المتنبي، ثم عرفنا بعده كشاعر فحل كذلك أحمد شوقي، ولا يوجد بينهما شاعر يذكر على مستواهما؛ وهكذا أحدثت الفجوة الثقافية بيننا وبين أجدادنا وتراثنا العربي، قطيعة حتى مع لغتنا وديواننا العربي وهو الشعر، وقس على ذلك حالتنا في باقي العلوم والمعارف.
ولكن روح المقاومة لم تؤثر عليها هذه الفجوة التاريخية الثقافية والمعرفية والخبراتية، مع تاريخنا، لا من بعيد ولا من قريب، بل هي أججتها وفعلتها، وجعلتها رأس الحربة في الدفاع عن العرب وصيانة كراماتهم، ضد الطغاة من حكامهم الأجانب (سلاجقة مماليك أتراك)، أو الغزاة الخارجيين. وأخذت المقاومات والانتفاضات المحلية تتحرك من فينة لأخرى، كل مقاومة أو انتفاضة تتحرك وحدها وبمعزل حتى عن جيرانها، على حسب إمكانياتها وقدراتها الذاتية، التي تصعد منها روحها المقاومة لأقصى درجاتها. ولذلك أصبحت المقاومات هي خط الدفاع الأول عن الشعوب العربية؛ حيث لا توجد لديها جيوش رسمية، تدافع بها عن نفسها.
والتاريخ العربي منذ ألف سنة زاخر بأخبار المقاومات والانتفاضات التي قامت ضد جور الحكام الأجانب والغزاة الخارجيين. ومن أشهرها الحروب العربية المقاومة ضد السيطرة العثمانية، التي دشنتها حروب الدولة السعودية الأولى مع الدولة العثمانية، وحرب المقاومة الليبية ضد المحتل الإيطالي، وحروب المقاومة الجزائرية ضد المحتل الفرنسي، وقد سجلت كل منطقة عربية، من المحيط إلى الخليج، حربا أو حروب مقاومة ملحمية ضد طاغية محلي أو غاز أجنبي. وأصبحت المقاومات، لا الجيوش الرسمية، حيث هي غير موجودة، أداة دفاع العرب الأولى ووسيلتهم التي تمكنوا منها وأتقنوها ونجحوا فيها للدفاع عن أنفسهم، حيث هي الأقرب للمذهب العسكري العربي، منه لأي مذهب قتالي آخر.
الجيوش العربية الحديثة، صممت وسلحت ودربت على نمط الجيوش الأوروبية؛ أي على أسلوب المذهب العسكري الأوروبي، الغريب عن الطبيعة الجغرافية العربية. ولذلك أضاعت جيوشنا الحديثة مشيتها. وفشلت في ردع إسرائيل ونجحت المقاومات في ذلك.