مؤتمرات مؤسسة الفكر العربي، تمتاز عن غيرها بأنها ـ في الغالب ـ استشرافية، تذهب إلى المدى الأبعد في التوقع، وترتفع إلى السقف الأعلى في الحرية، لأنها لا ترتبط بالأجندات المنفردة للدول العربية، ولا تنطلق من أي منها، وإنما تتحرك في مساحات واسعة هي الهم العربي العام، من جميع جهاته، مما يجعلها جسورا ثقافية آمنة للعبور إلى المستقبل.

إن سؤال التغيير والتنمية في الوطن العربي، سؤال ثقافي في المقام الأول؛ ذلك أنه من غير الممكن النهوض، أو تحقيق الحد الأدنى من أسباب النهوض دون تغيير حقيقي في بنية العقل العربي، بحيث يكون قادرا على استيعاب المستجدات الكبرى، والإيمان بها بوصفها مآلا حتميا ليس منه بد، فضلا عن قدرته على الوعي بأن الحياة في جوهرها تباين، ولو لم تكن كذلك لما كانت.

يُبنى على الإيمان بأن سؤال التغيير سؤال ثقافي، العمل على تغيير الزوايا التي ينظر منها العقل العربي إلى الحياة والمتغيرات، ليكون ـ بعد ذلك ـ قادرا على النهوض، وهو ما يبدو أن مؤسسة الفكر تتبناه على استحياء، لأنه يأتي بموازاة الأبحاث النهضوية المعمقة، والدراسات الاستشرافية الدقيقة، وهي ـ دون شك ـ مهمة، بيد أن الأهم هو التغيير الثقافي، وتهيئة الأذهان، وتحسين مستوى طرائق التفكير، ليتهيأ الإنسان العربي لما يجب أن يحدث في محيطه ونظامه، دون أن يصطدم بالآتي، أو يزيد في عوامل التكلس والتقوقع التي لا تزال تحيا داخلنا إن نحن صدقنا مع أنفسنا.

المهمة الموازية لما تنهض به مؤسسة الفكر العربي الآن، متمحورة حول تغيير العقل، بوصف ذلك القاعدة التي تنطلق منها بقية الأفعال، ولأنه أهم مما عداه حتى تحين المرحلة التي يكون هذا العقل نفسه قادرا على تحقيق الرؤى التي تشبه الأحلام، ما لم ترتكز على عقل جديد.

النور أهم من الطريق، فلا جدوى من طريق لا نستطيع رؤيتها، ولا فائدة من أن نستشرف مستقبلا لا نؤمن به؛ فالإيمان بأن علينا أن نغير عقولنا هو الخطوة السابقة لكل ما بعدها، ولن يتأتى ما يليها إلا بها.