انتهت الانتخابات الأميركية بفوز المرشح الديموقراطي بأصوات الناخبين كما كان متوقعا، ليواصل أوباما عمله كرئيس للولايات المتحدة لأربع سنوات مقبلة. وقد كان من المثير للاهتمام متابعة ردود الفعل في الإعلام الجمهوري على هذا النصر، وعلى رأس هذا الإعلام قناة فوكس الإخبارية. كانت خيبة الأمل لدى تحليل النتائج واضحة جدا، وكان هناك استياء من الحالة التي باتت عليها هذه الدولة العظمى، التي أصبحت كما يقول الإعلامي المعروف بيل أوريلي، مكونة من عدد كبير من الكسالى الراغبين في الحصول على ميزات من الدولة بالمجان، ومن سيعطيهم هذه الخدمات والأشياء ـ غير المستحقة بنظره ـ إلا أوباما؟ وهكذا فإن الحلم الأميركي القائم على العمل بجد والكفاح من أجل أن يصنع الإنسان من نفسه شيئا يبدو وكأنه يتلاشى. ولا يخجل أوريلي أن يضيف شعوره بالحزن؛ لأن الدولة التي بناها البيض وكانوا فيها الأغلبية وأرسوا دعائم الديموقراطية والرأسمالية والعمل الحر والسباق نحو النجاح قد تغيرت للأبد، فهي الآن دولة أقليات من سود وإسبان من أميركا الجنوبية وغيرهم، ومغزى كلامه أن أمثال هؤلاء لا يريدون بذل الجهد، وإنما العيش عالة على الدولة التي بهذه العقليات لن تواصل البقاء في الصدارة.
كلام أوريلي الممتلئ بالعنصرية والفوقية، لا يمثل رأيه الشخصي فقط بسبب انتمائه للأكثرية البيضاء وأيضا للحزب الجمهوري اليميني، لا سيما فيما يتعلق بالحلم الأميركي ومسؤولية الدولة تجاه الأفراد والعكس، بل كثيرا ما يتردد مثله في الإعلام، وحين تناقشت مع مواطنين أميركيين عاديين وجدت بعضهم يحملون أفكارا مشابهة. فأميركية - من الطبقة العاملة - تعتقد أن الإنسان الناجح يجب أن يكافأ لا أن يستنزف بالضرائب من أجل الصرف على الفاشلين، وأن على المرء أن يعمل ليستحق ما يحصل عليها من ميزات، والدولة غير مسؤولة عن إعالة من لا يرغب بمساعدة نفسه، وثمة أجيال من المهاجرين قدمت بلا دولار واحد وبالجد والعمل الشاق حققت أحلامها وصنعت لنفسها حياة كريمة، فلماذا إذا يحصل الفقراء الذين لا يعملون أو يكافحون على تعليم أو صحة أو رعاية بالمجان؟.
ففكرة أن تصرف الدولة على الشعب تعتبر إلى حد كبير مستحقرة في أميركا، وهي ترمز للاشتراكية والشيوعية التي عادتها الولايات المتحدة حكومة وشعباً حتى اندحرت. فكونك شخصا يطلب معونة من الدولة يعتبر منقصة في حقك، ففي العقلية الأميركية أنت إنسان فاشل تريد أن تنال ميزات لا تستحقها، ولا مكان لك في دولة الحلم والفرص، وسينال نادل في مطعم أو كناس في الشارع احتراما أكثر منك، ولهذا فالكل هنا يعمل، من طلبة المدارس في فترة الصيف وحتى طلبة الجامعات. وهناك من بدأ بتنظيف المراحيض العامة، وانتهى به الحال مالكا لشركة تقدم خدمات تنظيف. وقد علقت مرة بعد حديثي مع بعض الطلبة الجامعيين هنا بأنه لتغطية المصاريف، فإن الطالب الأميركي يعمل في وظيفة، والصيني في اثنتين، بينما السعودي يطالب بزيادة راتب البعثة!.
ولأن الدولة لا تصرف على المواطن، إلا من يستحق فعلا لكونه لا حيلة بيده كالمعاقين أو ضحايا العنف الأسري أو الأيتام ومن يدخل في حكم هؤلاء، ولأن المواطن المقتدر العادي يدفع ضريبة لهذه الحكومة، ليحصل على الخدمات المختلفة، فإنه يجد بأن لديه الحق ليحاسب الحكومة على كيفية صرف هذه الأموال، وأيضا إدارة هذه البلاد داخليا وبدرجة أقل خارجيا، فهم غير مدينون لها بشيء، بل هي مدينة لهم ما دامت تجبي منهم ضريبة كسبهم.
ولو انتقلنا من الحالة الأميركية للحالة الخليجية، لوجدنا في ذهنية الشعوب أن البلاد التي تصرف بسخاء على مواطنيها هي التي تستحق الاحترام والتقدير، بل إن أوجب واجبات الدولة هي أن تقدم كافة الخدمات بالمجان من التعليم الأساسي والجامعي وكذلك الابتعاث والصحة والخدمات البلدية، بل إن ذلك يشمل في بعض دول الخليج تقديم الماء والكهرباء بالمجان. بل وقد يطالب البعض بلدانهم المصدرة للنفط، أن يكون الوقود بلا مقابل أيضا، حتى لو كان ذلك على حساب مستوى الخدمة المقدمة، وحتى لو أدى ذلك لاستنزاف الثروات دون تحقيق التنمية الحقيقية المستدامة، والتي تضمن بقاء الرخاء حتى بعد عصر الثروة الناضبة. وحصول المواطنين على هذه الميزات ودون دفع الضرائب يجعلهم أقل تحفزا على المحاسبة فيما يتعلق بإدارة المال العام أو الدفع باتجاه المشاركة الشعبية الفاعلة.
ولست في معرض المفاضلة بين أي العقليتين أفضل، ولا أي الإدارتين أنفع، فلكل واحدة إيجابياتها وسلبياتها، فالفكرة الأميركية تشجع الأفراد على العمل والكفاح والنجاح والاعتماد على النفس منذ سن مبكرة، كما يعامل الناس فيها بشكل شبه متساو، إذ لا تنال فئة ما ميزات تفاضلية، ويخضع الجميع لسلطة القانون. لكنها في المقابل لا تراعي ظروف البشر المختلفة وكأنها تبرر بأن البقاء للأقوى والأذكى والأنجح، ولا مكان للضعيف والفقير ومحدود القدرات ومن نشأ وتربى في ظروف صعبة، فهؤلاء يجب أن يهمشوا لصالح الناجحين والمبدعين والأذكياء في "وال ستريت" ووادي السليكون.
أما الفكرة الخليجية، فهي تحمل الدولة بالفعل مسؤولياتها من أجل توفير حياة كريمة لمواطنيها مستفيدين من دخلها الريعي الهائل، وتضمن أن تتاح أساسيات الحياة كالتعليم والصحة للجميع بالمجان، فتمنح الفقير كما الغني فرصة جامعية متساوية لدخول كليات الطب والهندسة اعتمادا على درجاتهم وليس ما في حساب ادخار والديهم لتعليمهم الجامعي. لكنها أيضا تكرس استثقال العمل والكفاح، وتؤدي للكسل والاعتماد على الغير، وربما التحايل على النظام من أجل تحقيق مكاسب أكبر غير مستحقة.