قلت مساء البارحة لصديق البعثة القديم، من الإخوة من الطائفة الشيعية: كيف تحول هذه – العاشوراء – مع مساحة الزمن الطويلة إلى تراتيل وأساطير؟ فأجابني مباشرة بدعابته المعهودة "إن العقل الليبرالي لا يوجد به فضاءات تسمح بفهم طبيعة الحدث الديني". صديقي العزيز يعرف أن في مشواري الثقافي مئات الرسائل والمقالات والأبحاث التي تنتقد مسالك الخطاب الديني السني، وأن ذات المساحة من نقد الخطاب تسمح أيضاً بنقد الخطاب الشيعي الذي أسهرني معه (الفراغ) الكبير وأنا أتابع هذا الخطاب في أيامهم التاريخية من ذاكرة – عاشوراء – حيث هي الحدث.
قلت لصاحبي إن – التاريخ – ضحية للاجتهادات والإضافة وتضخيم الأحداث، وهنا الدليل: لقد استمعت من قنوات الخطاب الشيعي عن أحداث ليلة عاشوراء، من القصص والقصائد والتراتيل والأحداث والسير ما لا يمكن بمكان على الإطلاق أن تتسع له مساحة ليلة واحدة. كيف يمكن لي مثلاً أن أهضم أن – الحسين – قد قال من الشعر في تلك الليلة وحدها ما يمكن نظمه في ديوان مكتمل؟ وأكثر من هذا كيف نقل الرواة هذا الشعر الضخم في ظروف ليلة سوداء بها من الأهوال والمصائب ما لا يمكن أن تكون به فسحة لهذه التراتيل من الشعر؟ كيف يمكن لمساحة ليلة واحدة أن تتسع لكل ما نسمعه من الأحداث والقصص التي تحتاج إلى أشهر طويلة للتفريغ على المساحة الزمنية؟ قلت لصاحبي إن مشكلة الخطاب الشيعي مع التاريخ هي نفسها مشكلة الخطاب السني، مثلما هي بالضبط مشكلة الإضافة والتضخيم مع كل أحداث الأديان: صفحة واحدة تتحول مع الزمن إلى كتاب وكتاب يحوله المجتهدون بالإضافات إلى مكتبة مكتملة. كيف يمكن لعقلي أن يستوعب أن الحسين، رضي الله عنه، عاد لخيمته ثم نظم خمسين بيتاً من الشعر (بالإحصاء)، ثم إن الراوي كان يستمع له من الخيمة المجاورة؟ حتى الخيال ما بين النظم والنقل لن يسمح أبداً بمثل هذا التصور في الضغط الزمني لظرف ليلة واحدة. قلت لصاحبي: إن العدالة لا يمكن لها أن تجعلني مذنباً أو حتى مستشعراً للذنب من حدث انتهى منذ ألف وأربعمئة سنة. القرآن الكريم يقول لي بالحرف "تلك أمة قد خلت ....." فلا يمكن أن أكون أسيراً لحدث لم أكن شريكاً به ولا ضلعاً له. لماذا نظل مجرد طوائف تتحاكم في انقساماتها وفي حروبها إلى قصة انتهت منذ أربعة عشر قرناً ونحن لا دخل لنا بهذه المأساة التي أعترف أنها أسوأ ليالي تاريخنا وأكثرها فظاعة في الجور والظلم والوحشية؟ أختم بالبرهان أن الأديان والمذاهب لم تكن أبداً ضحية المجرد الصادق من التاريخ، بل ضحية الإضافات والتأليف وتكاثر الروايات واختلافها التي تعمي كل الأتباع عن رؤية المنبع الصافي.. ولكم أن تكملوا الفكرة.