لفتت وزارة العمل في الأيام الأخيرة انتباه الرأي العام والشارع السعودي بقرارين هامين أحدهما أخذ طريقه للتنفيذ والآخر في الطريق. والقراران هما تخفيض أيام العمل الأسبوعي إلى خمسة أيام، أي زيادة إجازة نهاية الأسبوع لعمال القطاع الخاص إلى يومين، والثاني فرض رسوم مقدارها 2400 ريال سنوياً على منشآت القطاع الخاص التي يزيد فيها عدد العمالة الوافدة عن العمالة الوطنية. والحقيقة الأولى التي نريد إبرازها هنا هي أن الوزراء والمسؤولين معنيون بالبحث عن قرارات وانتهاج استراتيجيات جديدة تؤدي إلى التطوير في مجالات عمل وزاراتهم ومؤسساتهم. لكن السؤال الكبير الذي يتبادر إلى الذهن هنا هو: هل تلك القرارات والاستراتيجيات مبنية على دراسات وتأخذ في الحسبان فترة تطبيق محددة ثم تقويم نتائجها لمعرفة ما إذا كانت تلك القرارات والخطط والاستراتيجيات تؤدي إلى التطوير وتحقيق الأهداف المرسومة لها أم لا؟ من الواضح أن هذين القرارين مرتبطان ببعضهما من حيث الهدف. فهدفهما مزيد من التوظيف للمواطنين لحل مشكلة البطالة المتفاقمة، وهذا بلا شك هدف نبيل وكلنا نريد تحقيقه، ولكن وإلحاقا للسؤال المطروح في بداية المقال هل يمكن تحقيقه بهذين القرارين؟
دعونا نبدأ بمناقشة قرار فرض رسوم على العمالة الوافدة لعرض بعض المعطيات المتعلقة بهذا القرار. هذا القرار يرتبط بأهداف كتوطين الوظائف وتقليص العمالة الوافدة وتوفير مزيد من الخدمات التي تستهلكها العمالة الوافدة من مياه وكهرباء ومواد غذائية مدعومة وخدمات صحية وغيرها. هذا نظرياً صحيح لكن هناك سلبيات كبيرة تنتج عن هذا القرار عند تطبيقه بهذه السرعة المضرة، ومن تلك السلبيات ما يأتي: أولاً هو ما يحدث لقطاعات التنمية المنتجة من جراء التخلص من عمالة مدربة وإحلال أخرى غير مدربة محلها بهذه السرعة الكبيرة. وسنأتي على هذه النقطة لاحقاً لمناقشة آثارها وما هو المفترض للبديل عنها. ثانيا إذا افترضنا استجابة بعض القطاعات لهذا القرار فإن دفع الرسوم يعني رفع تكلفة العمالة. فإذا افترضنا وجود 8 ملايين عامل في المملكة نصفهم عمالة منزلية لا تنطبق عليها مثل هذه القرارات يبقى 4 ملايين ينطبق عليهم هذا القرار مضروبة في 200 ريال للعامل الواحد نخرج بفاتورة إضافية على المستهلك لا تقل عن 800 مليون ريال شهرياً Cost of Good هذا إذا افترضنا أن نسبة الزيادة في الأسعار تتساوى مع نسبة الزيادة في تكلفة العمالة، وذلك إذا لم يقم صاحب العمل باستغلال فرصة زيادة تكلفة العامل ورفع أسعاره بنسبة تزيد على نسبة الزيادة الحقيقية في ارتفاع تكلفة العامل، وهذا وارد بل قد يكون مؤكدا، وهنا نرى زيادة شهرية في فاتورة المستهلك قد تصل إلى 1.5-2 مليار شهرياً نتيجة قرار وزارة العمل فرض رسوم إضافية على العمالة الوافدة دون دراسة مستفيضة. ثالثا: القطاعات المتأثرة من هذا القرار هي قطاعات الصيانة والتشغيل، وهنا تبرز مشكلتان: المشكلة الأولى مرتبطة بالسلبية الأولى- التي قلت إنني سأناقشها لاحقاً - حيث لا بد من التعويض عن التخلص من العمالة المدربة بتدريب مكثف وفعّال، وتقنية متقدمة تسد الثغرة الكبيرة التي أحدثها غياب العمالة المدربة، وهذا لا يمكن تحقيقه بسهولة وفي وقت قياسي، ولهذا فإن الاستعجال في تطبيق القرار سيحدث فجوة كبيرة إذا استجيب له بإحلال عمالة غير مدربة، والمشكلة الأخرى أن قطاع الصيانة والتشغيل من القطاعات المتوسطة والصغيرة ويمكن ألا يتحمل هذا النوع من الأعمال قرارات مجحفة بحقه مثل هذا القرار، ومن ثم يمكن أن تحدث كارثة انكسار هذه المؤسسات الصغيرة وما ينتج عن ذلك من آثار اقتصادية سلبية نعرف جميعاً نتائجها، لأن السياسات الحديثة التي تنتهجها الدول لعلاج المشكلات الاقتصادية والخروج من أزماتها تكمن في تعزيز الأعمال المتوسطة والصغيرة، كونها تتعلق بالشريحة الأكبر في أي مجتمع.
إذن وبالنظر إلى هذه السلبيات الثلاث نحن هنا بهذا القرار أمام مشكلتين: إذا تم تطبيقه بهذه السرعة وأحللنا عمالة غير مدربة فستكون هناك مشكلة لدى أصحاب الأعمال تتعلق بجودة العمل أو المنتج، وإذا استجاب رجال الأعمال لهذا القرار فسنواجه زيادة في الأسعار وبالتالي ارتفاع نسبة التضخم، والغالب الأعم أن الذي سيحدث نتيجة هذا القرار هو ثلاثة أمور: الأول: أن هذا القرار لن يؤدي إلى زيادة التوظيف الوطني بسبب أن رجال الأعمال ببساطة لا يستطيعون التخلص من عمالة مدربة وإحلال أخرى غير مدربة، فهذا يعني خسارة حقيقية ماحقة لهم، ولكي يقوموا بذلك يحتاجون إلى مساعدة الدولة في التدريب وإحلال التقنية، وقبل كل ذلك إلى وقت كاف. ثانياً: سيتحمل رجال الأعمال دفع رسوم 2400 ريال لكل عامل لكن سينتج عن ذلك زيادة نسبة التضخم، حيث ستضاف نسبة زيادة تكلفة العمال إلى تكلفة المنتج، مما يعني ارتفاع سعره على المواطن وارتفاع الأسعار بشكل عام وبنسبة تزيد على نسبة زيادة ارتفاع تكلفة العامل المتسببة أصلاً في هذه الزيادة. ثالثاً: سنرى غياب نسبة كبيرة من الأعمال المتوسطة والصغيرة نتيجة انكسارها بسبب هذا القرار، وهذا بلا شك سيشكل خسارة كبيرة على اقتصاد الوطن ربما تفوق المكاسب التي نرغب في تحقيقها من هذا القرار.
وخلاصة القول إننا نحتاج في هذا الوطن إلى إنجازات كبيرة تحققها قرارات كبيرة وسياسات طموحة، لكن أن تكون مبنية على دراسات وأبحاث نعرف مسبقاً نتائجها وما ينتج عنها. القرارات الناجحة والسياسات الفاعلة هي التي تفيد أناس دون أن تضر بآخرين، نحن نتفهم مسؤولية وزارة العمل نتيجة تفاقم نسبة البطالة الوطنية، ونحن نتفهم حرصها على علاج تلك المشكلة التي تنتج عنها مشكلات تتعلق حتى بالأمن، لكننا لا نتفهم أن تقرر أمراً فيه مصلحة لمواطن وإضرار بمواطن آخر، ولا نتفهم سرعة اتخاذ قرار يحتاج تطبيقه إلى خطوات أخرى تحتاج إلى مزيد من الوقت. وهنا أقترح على وزير العمل خطة تتولاها الدولة ممثلة في وزارة العمل تعد الآتي:
أولا: مشروع مشابه لمشروع الملك عبدالله للابتعاث في مجال التعليم الفني Vocational Education قوامه بضع مائة ألف لدراسة البكالوريوس في مختلف المهن يعودون بتدريب حقيقي ومؤهلات فنية، على أن تتضمن الدراسة فترة تدريب عملي في مجال التخصص. ثانياً: المشاركة في التدريب في القطاع الخاص. ثالثاً: مساعدة القطاع الخاص في إدخال التقنية.عندها نستطيع تحقيق السعودة الناجحة.