من يتابع الناس في هذه الأيام يجدهم لا يبتسمون، ويبدو عليهم التجهم والعبوس، وأنهم يعانون من الحزن، بعكس ما كان عليه أفراد المجتمع في الماضي، وفي ذات السياق سألني أحدهم عن أسباب غياب الابتسامة في المجتمع بقوله: لماذا لا يبتسم الناس؟ وكانت إجابتي عن تساؤله بسؤال آخر نصه تردد من قبل أفراد الجيل الحالي: وما العوامل، أو الأسباب التي تجعلهم يبتسمون؟ وهنا أرى أن هناك عوائق مختلفة تحول دون الابتسامة بين أفراد المجتمع، وعند مقارنة أفراد المجتمع في الماضي بشباب اليوم نجد أن هناك فروقا واضحة في هذا المجال؛ ففي الماضي كان الناس أكثر ابتساما، ويتعاملون مع بعضهم برفق، وبلطف، وبابتسامة، أما في الوقت الحاضر فنادرا ما نرى الابتسامة، وإذا كانت هناك ابتسامة فهي لا تتعدى ابتسامات المجاملة، أو الابتسامات المصطنعة التي لا تحمل في طياتها المحبة، والتقدير، واللطف، وحب الخير.

وحقيقة الأمر أن أجدادنا وآباءنا كانوا أكثر ابتساما منا، فهم يبتسمون، ويضحكون، ويمازحون بعضهم لأنهم قريبون من بعض، وكثيرا ما يجتمعون في أحد البيوت، أو المزارع، أو حتى في الطرقات أمام بيوتهم لقضاء بعض الوقت، كذلك لا توجد بينهم فروق مادية كبيرة، وظروفهم المادية والاقتصادية متشابهة إلى حد كبير, ويحتاجون إلى بعضهم في كثير من الأوقات، ولا يوجد ما يشغلهم عن هذه التجمعات التي قد تكون شبه يومية، ويتبادلون الحديث والأخبار، ولا يحملون في أنفسهم أي ضغائن، أو أي أحقاد، بل هم صريحون مع بعض، ومن يخطئ يقال له مباشرة أنت مخطئ، ولا ينعكس ذلك سلبيا على سلوكياتهم، بل تجدهم متبسمين في تجمعاتهم، وعند مقابلتهم لبعض، وقد يكون ذلك نتيجة لعدم وجود ضغوط نفسية، أو ما يشغلهم بشكل كبير بعكس ما هو سائد في وقتنا الحاضر.

أما جيل اليوم فهم أقل ابتساما، وقد يكون ذلك نتيجة لعدد من الأسباب التي يراها أفراد هذا الجيل، وقد يكون معظمها غير واقعية، أو غير منطقية، ولا تثمل تبريرا قويا، ومقنعا للتجهم، وغياب الابتسامة، ومن ضمن هذه العوامل التي تحد من الابتسامة عدم قرب الناس من بعضهم البعض، وتباعدهم، ويرى جيل اليوم أن من يبتسم بكثرة يفتقر لبعض السمات التي تجعله أكثر جدية، وتكون شخصيته غير قوية، وهم لا يدركون أن "الابتسامة في وجه أخيك صدقه"، فالابتسامة لن تؤدي إلى التقليل من شأن الشخص، أو مكانته، بل هي نوع من أنواع التودد، والتلطف، كما أن جيل اليوم لا يحتاج إلى الآخرين بدرجة كبيرة نظرا لتوافر المادة، والاستغناء عن الآخرين، وبذلك يعيش بعيدا ووحده، ولا يكون قريبا من الآخرين، ولا يحتك بأحد، ولا يتفاعل مع الآخرين، وفي حالة مشاهدة شخصين يبتسمان ويضحكان، فقد ينظر إليهما جيل اليوم نظرة فيها استغراب، وقد يكون فيها استهجان، وقد يقال عمن يضحك أو يبتسم بأنه يعاني من الجنون؛ لأن أفراد جيل اليوم لم يتعودوا على الابتسامة، ولم يدركوا أهميتها سواء في حياتهم، أو في حياة الآخرين، وهناك بعض العوامل التي تجعل عددا من أفراد المجتمع لا يبتسمون مثل الضغوط النفسية التي يعانون منها، أو لكثرة أشغالهم، ولنظرتهم القاصرة لأهمية الابتسامة، ودورها الإيجابي في حياتنا بشكل عام.

ومن أهم العوامل التي سرقت الابتسامة من جيل اليوم البيئة التي تربوا فيها، فإذا كانت البيئة لا تشجع على الابتسامة، وبيئة ضغوط، فقد ينتقل ذلك إلى الجيل الجديد، كما أن تفكير الشباب في الحصول على فرص وظيفية بعد حصولهم على شهادات متخصصة قد يكون من العوامل التي تحد من انتشار الابتسامة على الوجوه، كذلك أصبح التوتر، والضغط النفسي من أهم العوامل المنتشرة في المجتمع، وهذه بدورها عملت على اختفاء الابتسامة عند الجيل الجديد، ونجد أن النكت في وسائل التواصل الاجتماعية المختلفة منتشرة بكثرة في هذه الأيام؛ لأن الجيل الجديد بحاجة إلى الابتسامة، ولكنها تكون ابتسامات مفردة، ومؤقتة، وليست بالابتسامات التي كانت لدى جيل الأجداد.