لم تكن نشأته برجوازية، بل كانت هوية مختلفة منذ نعومة أطراف لم تعرف رغد العيش، بدءا من الكتاب وشظف الحياة وجمالها! كان تألقه بين أقرانه متماهيا بعطاء سخي لصناعة المستقبل، ففتح عينيه على أمية سائدة آنذاك؛ فتعمق (نضالا) في بحور العصامية لتقوده إلى أن يكون سفيرا بمرتبة "معالي"!

وبمبدأ مبكر.. أن الفرص لا تبحث عنا بل نحن من يجب أن نبحث عنها، قرر في ليلة بيضاء ولاهجا بدعاء والديه وأهل قريته الجنوبية (المجملة) له وبه، شد رحاله إلى حلم بدا لامعا ومغريا، إلى العاصمة، فانطلق في رحلة من الكفاح و"العصامية" بصياغة الذات وصناعة الوعي الخاص التي بدأها الشاب (علي بن عواض عسيري) متحفزا لامتلاك المعرفة وصناعة الحياة!

انطلق تماهيا مع عادة ستيفن كوفي الأولى: "ابدأ والنهاية في ذهنك"، فتسلسل دراسيا حتى تخرج من الكلية الأمنية برتبة (ملازم) في وزارة الداخلية، ثم نقلت خدماته إلى وزارة الخارجية السعودية لتولي مهام إدارة مستحدثة لأمن ممثليات المملكة وسفاراتها في الخارج متدرجا فيها حتى رتبة (عميد)، وبحكم طبيعة عمله تعاملا مع الإدارات السياسية والإدارية في الخارجية، وكأحد المحاضرين لمادة الأمن الدبلوماسي في معهد الدراسات الدبلوماسية، مع رصيد كبير من عدة دورات متوزعة بين بريطانيا وأميركا في اللغات، والسلوك الدبلوماسي، والإدارة الحكومية، وإدارة الأزمات العليا ومكافحة الإرهاب ومفاوضة خاطفي الرهائن.. زينها تمثيل مشرف لوزارة الخارجية في العديد من اللجان الأمنية العليا والقانونية بشعبة الخبراء في مجلس الوزراء، متماهية مع رئاسة عدد من اللجان الدبلوماسية لافتتاح سفارات سعودية جديدة، وبعدا آخر من مشاركات في كثير من لجان للتحقيق في العديد من الدول التي تعرض فيها دبلوماسيون سعوديون للاغتيال مثل تايلند، تركيا، كازاخستان، باكستان..

ولأنه كذلك، عندما لم يستيقظ في السلك الدبلوماسي (الوثير) وعمقه مباشرة؛ بل تدرج وقدم بقوة، فاستقطبته مدرسة (سعود الفيصل) وحكمتها إلى الدبلوماسية بجذورها، فتعمق في بحورها حد التفوق عندما عانقت مواطنته وحنكته مهاراته الدبلوماسية ولغاته المتقنة، بدءا من تعيينه سفيرا في باكستان قبيل أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 إلى 2009، وعندها ومن قلب الحدث واجه ما تلاها من تداعيات هزت العالم بأسره، وإدراكا منه لاختلاف تلك المرحلة عما قبلها، فقد تمكن من التفاعل بحنكة سياسية ومهارة منبرية في الدفاع عن المملكة وسياستها وإيضاح حقيقة مواقفها، فمثل أداؤه الإعلامي صوتا واعيا لتباين حقائق الأمور بثلاث لغات تتأرجح بين ممارسة ودراسة عليا متمكنة من العربية والإنجليزية والفرنسية، عبر مقابلات إعلامية سواء مع الإعلام الباكستاني أو الإعلام العربي أو الغربي من صحافة محلية ودولية أو في فضائيات أخرى مثل CNN وBBC وNBC الأميركية.. فقاد إبراز الحقائق بما يليق ومكانة المملكة، مع إدارة عدة ملفات دبلوماسية بذكاء وحكمة تحفها المواطنة والعمل المجيد لوطن لا ينضب من المخلصين المبدعين.

تداول مواقف السفير علي عسيري الجميع لتصبح صدى في القلوب والعقول إلى محصلة من العطاء في العديد من الأوسمة التقديرية لأدائه الدبلوماسي، منها وسام الملك عبدالعزيز، ووسام الملك فيصل، وأعلى وسام باكستاني (هلال باكستان) ممنوحا له من قبل رئيس جمهورية باكستان تقديرا لجهوده للرقي بالعلاقات السعودية الباكستانية وكعميد للدبلوماسيين الدوليين في باكستان حينها.

شعر (العسيري) أن تخليه عن حلم دراسة الماجستير سيدخله في ممر ضيق من عصاميته لن يخرج منه وسيظل يراوده لسنوات طويلة، فكانت اتجاهاته واستعداداته المعرفية لإكمال مسيرته الأكاديمية حاضرة حتى حصل على الماجستير في العلاقات الدولية من جامعة برستن، وحتى يومنا لم يتوقف إكمالا لدرجة الدكتوراه في إحدى الجامعات اللبنانية؛ ومن التأليف ما صافح به إصدارات جامعة أكسفورد عام 2009 بكتاب بالإنجليزية عن جهود المملكة في مكافحة الإرهاب، عقبه تمثيل لحكومة المملكة في مؤتمر عالمي عن الإرهاب بوزارة الخارجية الأميركية في واشنطن، تلقى عليه خطاب ثناء من الرئيس الأميركي على جهوده في هذا الاتجاه.

اختاره خادم الحرمين الشريفين – يحفظه الله - سفيرا له في الجمهورية اللبنانية في مرحلة شائكة، مثلما كرمه بترقيته بالمرتبة الممتازة قبل أسابيع إيمانا بمواطنته وإنجازاته.

سفير.. جمع عطاءاته للمواطن السعودي والكفاءة الدبلوماسية الرفيعة، فلمس المواطنون السعوديون عطاءاته استقبالا غامرا يأخذ القلوب إلى حقل من الموسيقى المبهرة بسياسة الباب المفتوح لاحتياجاتهم.. أحد الأصدقاء يقسم لي بأنه قابله في صيف 2009 يتجول في ساحة السوليدير ببيروت باحثا وسائلا عن احتياجات المواطنين دون رياء أو منصب!

عسيري.. يبهرك ركضه وتواضعه حتى حزمه! مارس ثقافته الدبلوماسية سلوكا محنكا ولم يتخذها وجاهة أو امتيازا ذاتيا بل وظفها مسؤولية برصانة وتجربة يحفها شغف الاطلاع، وحمل مضامين ورؤى الوعي بالذات، فصنع أنموذجا مضيئا بدينه ووطنيته، رسم جزءا من إبداع الدبلوماسية السعودية، فحق لنا الفخر به تمثيلا مشرفا في سماء جميع الدول الصديقة، فقد شكل على بوابة وزارة الخارجية السعودية ملحمة أنيقة وثمرة يانعة لينثر شعاع إبداعه في سماء (خضراء) تنير الطريق للعابرين فقط إلى منصات القمم.

وحين تقرأ هذا الاسم (العلي)، أجزم كذلك أنه (هنا) ليس في حاجة كي أتحدث عنه بقدر أن نقف وقصة كفاح لسفير وطني أصبح وشما على خارطة تاريخ وزارة الخارجية السعودية، وعلى مشاهدات قريبة من عصاميات أبناء هذا الوطن المعطاء، وشهادات (عصر) تحبو نحوهم، تزرع القدوة لمن يقابلهم أو يعرفهم، مع رؤية للأجيال القادمة، ولوحة هناك.. ترسم لسفرائنا مع التحية!