وفقاً للتقرير السنوي الذي أصدرته الأسبوع الماضي منظمة التجارة والتنمية التابعة للأمم المتحدة UNCTAD، احتلت المملكة العربية السعودية المركز الثامن دولياً في اجتذاب الاستثمار الأجنبي المباشر FDI في عام 2009، وذلك من بين (192) دولة غطاها التقرير، متصدرة بذلك دول منطقة الشرق الأوسط. وبذلك حققت المملكة تقدماً ملموساً خلال عام واحد، قفزت خلاله من المركز الرابع عشر (عام 2008) إلى المركز الثامن.
وحسب هذا التقرير، الذي صدر الأسبوع الماضي، استقطبت المملكة خلال العام الماضي استثمارات بلغت (36) مليار دولار. وجاء أبرز المستثمرين من الولايات المتحدة الأمريكية (6 مليارات)، والكويت (4 مليارات)، والإمارات (4 مليارات)، وفرنسا (3 مليارات)، واليابان (ملياران).
وهذا إنجاز كبير، تُشكر عليه الهيئة العامة للاستثمار والجهات الحكومية الأخرى التي عملت طويلاً لتطوير بيئة الاستثمار في المملكة، ولكن كيف نستفيد من هذه الاستثمارات بالشكل المطلوب؟
للإجابة عن هذا السؤال يجب أن نعرف ماهي الأهداف الاقتصادية لتشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر؟ ولماذا تتنافس دول العالم أجمع على اجتذابه؟ وماهي الفوائد المرجوة من ذلك الاستثمار؟
أولاً يُلاحظ أن عبارة "الاستثمار الأجنبي المباشر" يُقصد بها عادةً استثمارات القطاع الأجنبي الخاص في المشاريع الصناعية والزراعية والخدمية مباشرةَ، أي ليس من خلال المحافظ الاستثمارية. ولهذا فإن الاستثمارات التي نجحت المملكة في استقطابها العام الماضي (36 مليار دولار) هي استثمارات حقيقية طويلة المدى، وليست مما يُسمّى بالأموال الساخنة التي تستثمر في الأوراق المالية لأغراض المضاربة وتتنقل بين الأسواق المالية بحثاً عن الكسب السريع.
وتسعى الدول عادة إلى هذه الاستثمارات الأجنبية لأسباب مختلفة، ولكن أهمها هو البحث عن الموارد المالية اللازمة للاستثمار، لتعزيز القدرات المحدودة للاقتصاد المحلي على توفير تلك الموراد، للاستفادة من فرص الاستثمار المتوفرة في الاقتصاد.
ولكن خلافاً لمعظم الدول على قائمة الدول المستقبلة للاستثمارات الدولية، ليست المملكة في حاجة إلى تلك الاستثمارات الأجنبية بسبب افتقارها لرأس المال، فهو متوفر بشكل كبير، إما لدى البنوك أو لدى الدولة. ولهذا يجب البحث عن أهداف أخرى لتشجيع الاستثمار الأجنبي في المملكة غير مسألة توفير الموارد المالية. ونسأل هل من المتوقع تحقيقها؟
الهدف الأول: زيادة النمو الاقتصادي، وهذا من المتوقع تحقيقه، لأن المبلغ الذي تم استثماره يعادل نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة، ولهذا فمن المؤكد أن يؤدي إلى رفع حجم الاقتصاد الكلي بنسبة تفوق 10%، حسب كفاءة الاستثمار، وديناميكية الاقتصاد. ولكن استمرارية هذه المساهمة ستكون وقفاً على ما إذا كان المستثمر الأجنبي سيعيد استثمار أرباحه في الاقتصاد السعودي، أو أنه سيحولها إلى بلده بسبب عدم وجود فرص جاذبة لاستثمار تلك الأرباح. وبطبيعة الحال سيحتاج إلى توزيع بعض الأرباح على المساهمين الأجانب، ولكن السؤال يتعلق بالأرباح غير الموزعة.
الهدف الثاني: تحفيز الخدمات والأعمال المساندة والتكميلية، وهذا هدف مكمل للهدف الأول ومن المتوقع تحقيقه بشكل جيد، نظراً إلى أن غالبية الاستثمارات الأجنبية استثمارات ذات امتدادات كبيرة داخل الاقتصاد، وتتطلب الاستعانة بمقاولين ومتعهدين محليين للقيام بكثير من المهام التكميلية لمشاريعها، أو تقديم الأعمال المساندة. وهنا يأتي دور الأجهزة الحكومية في مساعدة الشركات المحلية على الاستفادة من هذه الفرص، عن طريق تسهيل حصولها على التمويل المناسب والمهارات المطلوبة.
الهدف الثالث: تنويع القاعدة الاقتصادية وتخفيف الاعتماد على البترول، وهنا يتوقع أن يتحقق بعض النجاح، نظراً إلى أن الاستثمارات الأجنبية، وفقاً لتقرير الأمم المتحدة، موزعة على الإنشاء والتطوير العقاري، والخدمات المالية، والتعدين، والنفط والغاز، والنقل، والاتصالات، وتقنية المعلومات.
الهدف الرابع: توظيف العمالة الوطنية، وهنا ربما كانت الإشكالية الكبرى، فالمستثمر الأجنبي يبحث عن الربح وتقليص النفقات، ولهذا فليس من المتوقع أن يوظف من العمالة الوطنية غير تلك العمالة التي تستطيع المنافسة فنياً مع العمال الأجانب، وتقبل بالأجور السائدة للعمالة الأجنبية. ولهذه الأسباب لا يُتوقع أن تنجح الاستثمارات الأجنبية في توظيف أعداد كبيرة من العمالة الوطنية، ما لم يتم تقديم حوافز للشركات الأجنبية لتوظيفهم.
الهدف الخامس: نقل أو توطين التقنية. وهذا لن يتحقق بشكل ملموس إلا من خلال توظيف عمالة وطنية في الأدوار القيادية والفنية، والدخول في شراكات حقيقية مع شركاء ومستثمرين من المواطنين (فعليين وليسوا صوريين). ولهذا فإن هذا الهدف قد يتحقق بشكل جزئي فقط.
وكما نرى فإن من المؤكد أن الاستثمار الأجنبي في المملكة سيحقق بعض الأهداف الاستراتيجية، مثل زيادة حجم الاقتصاد وتوفير فرص للشركات المحلية في تقديم خدمات مساندة، ولكن تحقيقه الكامل لبقية الأهداف، مثل زيادة فرص العمل للمواطنين، ونقل التقنية، وتشجيع المؤسسات الصغيرة يتطلب اتخاذ خطوات عملية وجريئة لتوظيف المواطنين في تلك الاستثمارات، وتحفيز أصحاب الأعمال المحليين على الدخول في شراكات مع المستثمر الأجنبي والمنافسة للحصول على عقود من الباطن لتنفيذ أعماله.