تسعى وزارة العمل بشكل حثيث لرفع مستوى السعودة، وعلى الرغم من سعيها الحثيث وصوتها العالي، إلا أننا ما زلنا حتى اليوم نسمع منها جعجعة ولا نرى طحنا موازيا لتلك الجعجعة، ما زلنا نرى قرارات عشوائية أشبه ما تكون بقرارات مرسي بشأن الدستور توضع من قبل الوزارة بليل ونفاجأ بها في النهار، والنتيجة النهائية ما تزال الأرقام هي ذاتها وما تزال المشكلة تتفاقم وما يزال معدل "الأجنبة" في مقابل "السعودة" مرتفعا. فما هي المشكلة يا ترى؟

هل المشكلة مشكلة "مواطنة" من قبل أرباب العمل؟ هل هم يتعنون إبقاء أبناء الوطن عاطلين؟ هل يقصدون الإضرار بأبناء الوطن عنوة؟ إن كان الجواب على أي من هذه الأسئلة هو "نعم" فإن ما تقوم به الوزارة حاليا من جهود صحيحة بنسبة كاملة، لأن مواطنا بلا مواطنة لا يستحق إلا أن يقاد اقتيادا نحو تفعيل مواطنته وأدائه لواجبه وفقا لما تمليه مصلحة الوطن، ولكن إن كانت الإجابة عليها هي "لا" فلابد أن هناك أسبابا أخرى تتعلق بغير أرباب العمل، وإن كانت نتيجتها لا تظهر إلا لديهم بحكم أنهم المسؤولون عن تعيين الموظفين في منشآتهم.

ما هذه المشاكل الأخرى يا ترى التي تدفع بأرباب العمل وطالبي التوظيف لأن يكون بينهم هذا الجفاء؟ هل وقفت عليها وزارة العمل بالشكل الملائم بحيث تكون حلولها جذرية واستراتيجية لا عشوائية وتقليدية؟ هل قدمت وزارة العمل لنا نحن المواطنين ما يمكن لنا معه أن نعتبر أنها تتعامل معنا بشفافية وتنسيق دائمين بحيث تتيح لنا أن نُسمعها صوتنا وإشكالاتنا لتتمكن هي من وضع الرؤى الملائمة والخطوات المناسبة لوضع الحلول بدلا من فرض القرارات العشوائية وقسر المواطنين عليها بشكل لا ينفع كثيرا طالبي الوظائف ويضر أرباب العمل؟

إشكالية القطاع الخاص مع السعودة ليست عدم الرغبة فيها، بل إن انخفاض مستوى السعودة ما هو إلا نتيجة لأسباب متداخلة وانعكاس لواقع الحال الذي يفرض علينا أن نقوم بدراسته وأن نكون صريحين مع أنفسنا بشأنه، وعند النظر إليها (أعني الأسباب الأخرى) سنجد أنه من الظلم أن نشير بإصبع الاتهام لوزارة العمل وحدها على أنها هي المسؤولة عن انخفاض نسبة السعودة وتوطين الوظائف، كما أننا سنجد أنه من الظلم أن نطلب من وزارة العمل وحدها أن تقوم بحل المشكلة. بالنظر لهذه الأسباب المتداخلة سنجد أن وزارة العمل هي الترس الأهم في وضع الحلول ولكنها ليست بالضرورة المصدر الأوحد لها، وسنجد أنها مهما أبدعت في حلولها فإنها (إلا أن يقضي الله أمرا غير ذلك) ستبقى في دوامة التغريد خارج السرب والإبداع الجزئي التكتيكي دون استراتيجية واضحة، مثلها تماما مثل من يبذل الجهد اللازم لتسلق السلم على الجدار الخطأ. القطاع الخاص يعتمد في تعييناته ووظائفه وأداء أعماله على "الكفاءة والجدارة" ولا بد أن نبحث عن المقومات التي توفر في السعودي هاتين الخصلتين.

إشكالية السعودة تمس كل واحد منا حسب دوره وقدره في المجتمع دون توجيه أصابع الاتهام لأحد، فهي تقع علينا نحن معشر الآباء والأمهات بأن نربي أبناءنا على تلك القيم الفاعلة المكونة للكفاءة والجدارة التي نبحث عنها في أعمالنا لدى غير السعودي من انضباط وجد والتزام، إنها تقع على وزارة التخطيط بأن تضع خططها الوطنية بما يؤهل الوزارات المعنية لأداء اللازم لوضع المواطن على قدم المنافسة مع غير السعودي من حيث كفاءة الأداء، إنها تقع على وزارة التعليم بأن تعلم أبناءنا جنبا إلى جنب مع منهج التوحيد والفقه والرياضيات معنى المواطنة التطبيقية بدءا من احترام طابور الصباح والنشيد الوطني واليوم الوطني ومرورا بتهيئة البنى التحتية للمدارس ومبانيها بحيث تمثل حقيقة ما يريد الوطن أن يمنحه لمواطنيه وبحيث تؤهل المدرسين وتمكنهم من أداء دور "المعلم" الحقيقي لمفاهيم المواطنة وغرس بذور الكفاءة وفقا لمناهج متطورة تساير الركب وتنقل إلينا "علم التطور" و "تقنيات التطبيق" لتسلم أبناءنا حين تستلمهم الجامعات جاهزين لتعلم المزيد من العلوم المتخصصة بحيث يكونون قادرين على تطبيقها بكفاءة وإتقان بموجب ما تعلموه في البيوت ثم في المدارس من مبادئ الالتزام واحترام النظام، إنها مسؤولية الجميع بالإضافة لوزارة العمل.

لست هنا أمنح وزير العمل عذرا مقبولا لحال السعودة وعدم اتساق قراراته وما ينتج عنها من محاولات التفاف عليها من قبل القطاع الخاص، ولكن أضيف إلى مسؤوليته عن اتخاذ القرارات مسؤوليات أخرى تتعلق بالتواصل مع المجتمع بشفافية والاستماع لشجون أرباب العمل ورفع مستوى الثقافة والتوعية لديهم ولدى الراغبين في العمل، وكذلك مسؤولية التنسيق مع الوزارات الأخرى المعنية بهذا الأمر.