عصفت الأزمة المالية بالسلطة الوطنية الفلسطينية من جديد، لدرجة أنها عجزت عن توفير كامل الراتب للموظفين الفلسطينيين، وبرغم التزام ما يُطلق عليها بالأسرة المانحة، بتوفير المال اللازم للسلطة الوطنية، للإيفاء بالتزاماتها تجاه الشعب الفلسطيني، إلا أن تنفيذ هذا الالتزام كان محدوداً، ويتأرجح بين الفينة والأخرى، ويخضع للشروط الأميركية والإسرائيلية، التي ترى الآن أنه يجب الضغط على الفلسطينيين ورئيسهم محمود عباس، من أجل إرغامه للعودة إلى المفاوضات، التي يرفضها مشترطاً وقف الاستيطان أولاً، وتحديد جدول زمني لإنهاء التفاوض حول قضايا الوضع الدائم.
ترافق ذلك مع زيادة مضطردة لمسؤوليات السلطة الوطنية تجاه المواطنين الفلسطينيين، والتوسع في البرامج الاجتماعية المتعلقة بمكافحة الفقر والبطالة وتقديم العلاج، كل هذا أثقل كاهل الخزينة الفلسطينية، خاصة مع تأرجح وانقطاع وصول المساعدات من الأسرة المانحة، وفي ظل هذه الأزمة، وكما كنت أتوقع، وكما عودتنا دائماً، قامت المملكة العربية السعودية بالمساهمة في دعم الخزينة الفلسطينية بمئة مليون دولار، لتتمكن وزارة المالية من دفع رواتب الموظفين، خاصة أننا في هذا الشهر الفضيل، شهر رمضان المبارك، أعاده الله علينا وعلى الأمتين العربية والإسلامية، بالخير واليمن والبركات.
لم يكن الموقف الأخير للمملكة موقفاً يتيماً فيما يتعلق بدعم القضية الفلسطينية، أو موقفاً ارتجالياً طارئاً، وإنما موقف يُضاف إلى سلسلة طويلة من المواقف المشابهة، منذ عهد الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود رحمه الله. إن هذا الدعم يأتي استكمالاً للدور الريادي الذي قامت وتقوم به المملكة العربية السعودية، وانسجاماً مع واجبها الديني والقومي تجاه القضية الفلسطينية، بل وتجاه الدول العربية الأخرى، وإضافة جديدة إلى السجل الحافل من الدعم المالي والسياسي، الذي تقدمه المملكة لشعبنا وقضيته. ولم أشعر يوماً أن الدعم السعودي للقضية الفلسطينية يأتي ضمن شروط معينة، أو رغبة في التدخل السلبي في الشأن الفلسطيني، أو مقابل ثمن سياسي تبتغيه، فالسعودية ساندت وتساند قضيتنا بكل الوسائل السياسية والمالية، والتاريخ القريب حافل بالمواقف المشرِّفة للمملكة تجاه قضيتنا بشكل خاص، والقضايا العربية بشكل عام، وما زالت ذاكرتنا تحفظ للمملكة وقوفها ومساندتها لقضيتنا، منذ صدور قرار التقسيم عام 1947، وتهجير شعبنا في حرب عام 1948 وحتى اللحظة الراهنة. لم تدعم السعودية يوماً طرفاً فلسطينياً ضد آخر، ولم تتدخل في الشأن الفلسطيني إلا تدخلاً إيجابياً، يهدف إلى دعم الشعب الفلسطيني، والحفاظ على هويته الوطنية، بما يعزز صموده، وحيث ألمَّت بنا الأزمات في فلسطين، وأحاطت بنا المعاناة من كل جانب، نجد المملكة العربية السعودية تهب لنجدتنا، وتقف إلى جانبنا، حتى بتنا على قناعة تامة، أن السعودية تشاركنا أحزاننا، وتساهم في تضميد جراحنا، وتحمل همومنا، وتضع يدها البيضاء الناصعة لتكون بلسماً يشافي معه همومنا وآلامنا.
كمواطن فلسطيني، لا أملك أمام هذه المواقف الكريمة، إلا أن أتقدم بجزيل الشكر والامتنان والعرفان، إلى الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله ورعاه، وإلى الحكومة السعودية، وعموم الشعب السعودي الكريم، على مواقفهم النبيلة والكريمة تجاه إخوانهم في فلسطين، سائلاً المولى ـ عز وجل ـ أن يحفظ المملكة، وأن يديم على أهلها نعمة الأمن والأمان، وأن يدرأ عنهم السوء والمخاطر، وأن يوحد صفوفهم، ويجمع على الخير قلوبهم، وأن يجزيهم عن شعبنا خير ما يكون الجزاء.