القانون الذي يضبط المجتمع البشري هو القانون الأخلاقي. ولذا فالأخلاق هي التي تحدد الحقوق والواجبات والمسافات التي تنظّم العلاقات بين الناس. الالتزام الأخلاقي يتحول أحيانا إلى تنظيم قانوني وأحيانا يبقى خارج هذه الدائرة، ولكن تبقى الأخلاق باختصار هي ما يحدد العدل والظلم في السلوكيات التي يتوجّه بها الناس لبعضهم البعض. المدرسة باعتبارها تجمعا بشريا هي موضوع للقانون الأخلاقي. الجميع في المدرسة لديهم التزام أخلاقي يضبط طبيعة التعاملات بينهم. القانون الأخلاقي في المدرسة يعبّر بشكل أو بآخر عن طبيعة العلاقة المتصوّرة بين المعلمات والطالبات. على سبيل المثال التعليم التقليدي يعطي للمعلمة مساحة أوسع وحقوقا أكبر في حين تتقلص مساحة الطالبة إلى مساحة محدودة جدا. ولذا تجد أن العنف الجسدي واللفظي مقبول في التعليم التقليدي باعتبار هذا الترتيب في العلاقة. بالنسبة لنا هنا فالعلاقة الإنسانية العادلة هي التي تحقق كما عند بوبر في علاقة (الأنا- الآخر) أي العلاقة التي تتطلب حضورا كاملا من الطرفين باعتبارهما كائنات عاقلة وحرّة. هذه العلاقة تتطلب شكلا أخلاقيا معيّنا يجعلها ممكنة ويراقبها من التحول إلى علاقة أخرى. في هذا المقال أناقش بأن الحوار هو العلاقة الوحيدة الأخلاقية، التي يمكن أن تتحقق فيها علاقة (الأنا-الآخر) وليس علاقة (الأنا-الشيء) أو (الشيء- الشيء).
الفرق الجوهري بين علاقة (الأنا-الآخر) و (الذات- الشيء) هي أن العلاقة الأولى تحتوي على مساواة بين طرفيها فكلاهما في درجة واحدة من الحضور الإنساني. في المقابل العلاقة الثانية تحتوي على تراتبية في العلاقة فالذات يقابلها شيء، والعلاقة غالبا مع الأشياء علاقة استعمال أو علاقة وسائلية. العلاقة الأولى، الحوارية بين الذات والآخر، ترفض هذا المعنى الاستعمالي أو الوسائلي للآخر. وهنا نصل لجوهر الفلاسفة الأخلاقية لدى إيمانويل كانت والفرق بين التعامل مع الإنسان كغاية أو كوسيلة. يقول كانت في نقد العقل العملي "افعل بحيث تعامل الإنسانية في شخصك وفي شخص سواك دائما وفي نفس الوقت على أنها غاية وليس أبدا على أنها وسيلة". هذا القانون يفترض أن يعني الكثير للعلاقات بين البشر في المدرسة وكذلك العلاقات بينهم وبين أولئك المسؤولين عن التعليم خارج المدرسة. لو عدنا للعلاقة بين المعلم والطالب في التعليم التقليدي كما وصفناها بعلاقة "القائد- التابع" لوجدنا أنها علاقة قائمة على علاقة استعمال يحضر فيها الطالب كوسيلة لا غاية. بمعنى أن النظام التعليمي والمعلم هنا أحد منفّذيه ينظر للطالب على أنه موضوع لأهداف تم تحديدها سلفا ويفترض أن يتم تحقيقها من خلاله. التعليم التقليدي مثلا لديه تصور معين للكون والحياة ويريد أن يصوغ الطالبة بشكل معين بحيث تكون جزءا من منفذي ومحققي هذا التصور. بحسب قانون كانت فإن الطالبة هنا ليست أكثر من مجرد وسيلة يريد النظام التعليمي تحقيق هدفه من خلالها. يمكن القول هنا أن الفرق الجوهري بين الإنسان كغاية وكوسيلة أنه كوسيلة يفقد حضوره في تحديد طبيعة العلاقة التي تجمعه مع الآخرين، وينفرد بتحديدها الطرف الآخر. لذا غالبا ما يكون الضعفاء هم موضوع العلاقة الوسائلية، وكذلك غالبا ما تحضر القوة والعنف لتحقيق هذه العلاقة.
الحوار في المقابل هو العلاقة التي تضمن التعامل الأخلاقي مع الآخرين على أنهم غايات لا وسائل. الحوار هنا بالنسبة للمعلم لم يعد وسيلة لإيصال المعلومة بقدر ما هو واجب أخلاقي. التعامل اللاحواري مع الطلاب أو الزملاء هو عمل لا أخلاقي وتجاوز على حقوقهم. الحوار هنا هو مساحة لرسم علاقة جديدة مع بين المعلمة وطالباتها علاقة تنخفض فيها السلطة لدرجات منخفضة وتحضر فيها الحرية بدرجات أعلى.
العلاقة الحوارية في بيئة لا حوارية ـ كما ذكرنا في المقال السابق ـ هي علاقة غريبة واستثنائية وهذا رغم صعوبته أحد أسرار قوتها. الحوار هنا سيكون مساحة جديدة أو مجالا عاما جديدا. في الحوار الحقيقي يشعر المعلم والطلاب على قدم المساواة بوجود جديد. من جهة جميعهم يتخففون من ألم السلطة القوي في العلاقة التقليدية. تحديدا، في العلاقة التقليدية المعلم متوقع منه الصرامة والشدة، وهي سلوكيات تؤلم صاحبها بقدر ما تؤلم الآخرين. وكذلك بالنسبة للطلاب العلاقة الحوارية تحررهم من الشعور بالقهر والكبت في العلاقة التقليدية. الحوار هنا هو علاقة صحية مؤهلة لتحقيق علاقة تواصل معافاة. الحوار أيضا هو عملية تطهّر من روح النفاق والكذب التي تسيطر على التعليم التقليدي. في العلاقة التقليدية المتوقع من المعلمة والطالبة أن يتبنين المواقف المثالية التي تدعو لها الثقافة المسيطرة، مما يجعل من الجميع مرددين لمواقف غالبا لا تمثّلهم. الحوار باعتباره مساحة للحرية والتجريب والمغامرة الفكرية والصواب والخطأ يفتح المجال للطالبات في أن يقلن فعلا ما يعتقدن، بعيدا عن الخوف من تأثير هذا على صحتهم النفسية والبدنية أو مستقبلهن الدراسي.
يقول باولو فريري، الذي بنى كل برامجه التعليمية على الحوار "إنه بلا حوار لا يمكن أن يتحقق تواصل حقيقي، وبدون تواصل حقيقي لا يمكن أن يكون هنا تعليم ذو معنى". لنتذكر هنا أن التواصل لا يتحقق إلا بين ذوات منفتحة على بعضها البعض، وأن الخوف هو الحجاب الذي يقطع إمكان هذا التواصل. العلاقة الحوارية بطبيعتها علاقة آمنة، وفيها يأخذ الكلام طبيعة المغامرة المعرفية الممتعة، بدلا من المغامرة المحفوفة بالمخاطر في العلاقة التقليدية النفعية. الحوار هنا لم يعد منحة من أحد أو خيارا من أحد يمارسه متى شاء، وينسحب عنه متى شاء بقدر ما هو التزام أخلاقي، وواجب يلتزم به الأفراد؛ ليعيشوا في بيئة أكثر عدالة وأقل ظلما. المعلمات والمعلمون في التعليم التقليدي، الذين يشعرون بتأنيب ضمير بسبب طبيعة العلاقة التي يفرضها عليهم ذلك التعليم، هم أمام فرصة لتحويل تجربتهم إلى تجربة أخلاقية من خلال تحويلها إلى تجربة حوارية.