ليس جديداً ـ في التاريخ المصري الحديث ـ أن تحتجب الصحافة احتجابا احتجاجياً، بيد أن الجديد ـ هذه المرة ـ هو أن الاحتجاب جاء تعبيرا عن أمرين:
أحدهما: الضغوط التي تواجهها وسائل الإعلام المصرية والعاملون فيها منذ اعتلى "الإخوان" أعلى صخرة في الهرم، وراحوا يرفعون قضاياهم يمنة ويسرة ضد كل إعلامي تسول له نفسه قول: لا.
والآخر: أنه جاء مؤيدا لغبن كبير يشعر به قطاع عريض من الشعب المصري، بعد الإعلان الدستوري الأخير الذي أصدره الرئيس محمد مرسي، ومشروع الدستور الذي تقرر عرضه على استفتاء شعبي منتصف هذا الشهر، مما جعل الثورة ودماء شهدائها تتحول إلى سطر مبتور في صفحات التاريخ، له ما قبله من الانفراد، وعليه ما بعده من محاولات الانفراد بكل شيء، وليس بالقرار وحسب.
احتجبت 11 صحيفة حزبية وخاصة عن الظهور صباح الثلاثاء الماضي، فيما اسودت شاشات عدد من الفضائيات يوم الأربعاء الذي تلاه.
احتجاب الإعلام موقف رمزي، لكن دلالاته أعمق من دلالات أي احتجاب آخر، لأنه تعبير عن تغييب الحق في التعبير والمعرفة، وهو حق لا يغيب إلا في حال شعر ممتهنو إشاعتها في الناس أن بينهم وبين وظائف وسائلهم سدا يريد أن تقول تلك الوسائل ما يمليه عليها بُناتُه الذين حاولوا إيقاف "الحق في التعبير" من خلال مشروع الدستور الجديد نفسه، فعادت تطارد الصحفيين أشباح الحبس بسبب جرائم النشر، لأن المشروع لم ينص على عدم جواز حبس الصحفيين في قضايا الرأي.
الإعلام صوت ضمائر شتى، وما يقع عليه أنموذج لما يقع على أصحاب الضمائر كلها، ولذا فإن احتجابه "تعبير" أيضا، لكنه يأتي بلغة تتجاوز في أثرها ووضوحها الأصوات المسموعة والإشارات المرئية.