لا يخفى على أي محامٍ أو مختص بالتجارة مدى تخوّف الشركات الأجنبية خصوصا من غموض القانون لدينا نظرا لعدم وجود تقنين في أغلب القضايا المهمة! ولا شك أن هذا يتسبب سنوياً في خسارة المملكة مليارات من الأموال التي تخرج للخارج أو تتردد في الدخول للسوق السعودي لنفس السبب! ولكن بعد صدور نظام التحكيم السعودي الجديد فقد حدثت نقطة تحول جديّة نحو علاج الواقع المتأزّم للأسف، وقد كتبت عنه معظم الصحف العالمية المهتمة بالاستثمار والتجارة آنذاك.
صدرت ـ العام الماضي ـ مجموعة من الأنظمة المهمة، وقد كان عاما حافلا بالتنظيمات الجريئة والمتطورة كنظام التحكيم والتنفيذ والرهن العقاري، والحقيقة أن مستوى تلك الأنظمة يتجاوز الآلية المطبقة على أرض الواقع بمراحل، ولذلك شكك الكثير في سرعة تطبيق تلك الأنظمة في ظل عدم استعداد الأجهزة القضائية والتنفيذية لها، فنجد مثلا أن نظام التنفيذ لم يطبق حتى الآن! ولم تصدر لائحته التي من المفترض أن تصدر خلال ستة أشهر من صدور النظام! وكذا لائحة نظام التحكيم!
وقد أقامت الغرفة التجارية الصناعية في الرياض بالتعاون مع المركز التحكيمي الخليجي في البحرين مشكورين برنامجا تأهيليا لمن يرغب في دخول مجال التحكيم التجاري ليكون محكّماً، وقد تشرفت بأن قمت بإلقاء الدورة الأولى عن التحكيم التجاري لمدة أربعة أيام، وكلنا أمل في ظل وجود حماس الغرفة والمركز الخليجي وطموحهم الجميل أن يتطور هذا المجال لدينا وأن يصبح المركز التحكيمي (اللجنة) في الغرفة من أهم المراكز الإقليمية والدولية ليعكس الحجم الحقيقي للمملكة.
أعود لنظام التحكيم وكيف أنه فتح الباب للشركات الأجنبية، الحقيقة أنني كمحامٍ لي تواصل مستمر مع شركات أجنبية كثيرة، لا تكاد تجد شركة توافق على تحكيم النظام السعودي إلا في حدود وأهداف ضيقة، والسبب في الحقيقة هو عدم وضوح النظام فقط في كثير من الجوانب نظرا لمنع التقنين للشريعة، ولذا يصرون على اختيار قانون أجنبي وغالبا ما يحبذون القانون الإنجليزي لشهرته.
ولكن بعد صدور نظام التحكيم الجديد، فقد انفتح الباب بناء على المادة 38 فيه، بأنه يجوز لطرفي أي اتفاق أن يختاروا أي القوانين التي يشاؤون ليكون قانونا حاكما للعلاقة من خلال التحكيم التجاري الدولي، ولكن بشرط ألا يخالف الشريعة والنظام العام، وهذا المبدأ بالمناسبة مطبق في أغلب دول العالم المتقدم. وقد كان هذا المبدأ غير مسموح به بناء على ما هو مطبق قبل صدور النظام. كما أن النظام تجاوز هذه النقطة التي يكون فيها طرف أجنبي إلى إباحة هذا التصرف حتى لطرفين وطنيين ليختاروا قانونا أجنبيا ليحكم أي نزاع مستقبلي بينهما (المادة 38/1)، ولكن بنفس الشرطين السابقين، وهذا المبدأ مطبق أيضا في معظم قوانين التحكيم العالمية، ومن بينهما القانون النموذجي الذي صدر من لجنة القانون التجاري الدولي التابعة للأمم المتحدة والمعروفة بـ(UNCITRAL).
أعتقد أن هذا التطور الجريء سيفتح الباب لكثير من الاستثمارات التي كانت تهرب من السوق السعودي بسبب ضعف التشريعات القانونية، ولكن يجب أن نذكر أن آلية المصادقة من المحكمة المختصة للحكم التحكيمي بعد صدوره يجب أن تكون مواكبة لتطور النظام وإلا فسيفقد كل الإيجابيات فيه، كما أن اللائحة التنفيذية يجب أن تكون في مستوى النظام أيضا.
ولكن لماذا دائما لا نحل مشاكلنا إلا بالتهرب من مواجتها؟ فعندما حرّم البعض كلمة "قانون" لجأنا لكلمة "نظام" بالرغم من أنه يحمل نفس المعنى بالضبط؟ وهنا عندما حرم البعض التقنين بالرغم من أنهم يمارسونه تحت مسميات متعددة وصدرت حتى فتاوى فيها الكثير من التقنين، لجأنا لإجراء كهذا للحد من مشكلة "اللاتقنين"؟
بلا شك أن سياسة الدولة الحكيمة في مثل هذه الأمور وتركها للفكر والوعي كي يتطور تدريجيا كما حصل في أمور كثيرة أمر محمود، ولكن برأيي أن هناك قاعدة كبيرة غالبة وواعية لهذا الأمر، وأن مطالب التطوير والتجديد من داخل المؤسسة القضائية الآن أصبحت أقوى من خارجها ربما، ولكن لكثير من الأمور الروتينية والبيروقراطية تبقى تلك الأصوات خافتة. بالإضافة إلى وجوب إشراك القاعدة العريضة من القضاة والمختصين والمحامين في رسم خريطة تطوير القضاء وآلياته، وهذا أمر مهم للغاية في نظري، حيث إنه بعرض المشاكل ونقاشها سيصل المخلصون ـ بلا شك ـ إلى نقاط اتفاق، وستكون الرغبة الإصلاحية جماعية بدلا من أن تكون مقتصرة على أفراد هنا وهناك! وكما يعلم الجميع مدى حساسية تطوير القضاء وآلياته كونه مرتبطا بقضايا دينية وسياسية واجتماعية كبيرة، وحشد الرأي الجماعي في طريق الإصلاح من خلال إشراك جميع الاتجاهات والمهتمين مهما كانت آراؤهم أمر ضروري للوصول إلى الهدف النهائي بنظري.
بعد هذا العرض السريع؛ هل سنرى المستثمرين والتجار فعلا يهجرون المحاكم التجارية في عقودهم ويهربون نحو التحكيم؟ هذا ما سنراه في المستقبل القريب والله أعلم.