إذا اجتمع الزمن الإنساني، والفضاء المكاني، والرؤية التي تتحرك داخل المواقف الحياتية، لترصد السلوك البشري المثقل بالعواطف والمشاعر وطبائع الشخوص، في تسلسل درامي عذب يتموقع ضمن عناصر الحكي اللذيذ، ويتسم بالأناقة والسهولة والبوح الشفيف، فقد قبضت على مشهدية ممسرحة تم نقلها من الواقع بمروياته المعاشة والبسيطة، إلى العالم التخيلي الموحي بالحنين والغربة والتوق الأزلي، وهذا ما فعله عبدالله شاهر، حين سحب الحواس الوجدانية فيما يشبه المنولوج الداخلي، ليسربها في لعبة شعرية أخاذة، لم ينعتها بالسيرة الذاتية أو الروائية أو غيرها من المسميات المفتوحة، ولكنه دوّنها كذكريات، وسمح لنا بقراءة "دفتر عائلته"، محاولا ألا يمحو من باطن أعماقنا محتوى المكان، مستنهضا الملامح الدفينة، وهي تثوي كالحلم وتتغلغل في مساحات الروح.
في "شفت أبها" أمسك شاهر بالتفاصيل والجزيئات والهوامش الخصبة بكل سحرها وألقها، فحول المكان إلى بيت كبير لعائلة كبيرة اسمها "أبها"، مستثمرا مخزونه الغني وبراعته التلقائية واستحضاره الذهني، مما ألهب في دواخلنا النزعة الاسترجاعية، واستيلاد عبء الذاكرة المتسائلة عن الملموس الأرضي، عن الأحياء المثقلة بالبياض والطيبة والارتواء الإنساني في "مناظر، البديع، الربوع، القرى، نعمان، الخشع، النصب، مقابل، الصفيح، ضباعة، المفتاحة، الطبجية" دوّن كل ما فيها أزقتها سكانها أسواقها أفراحها أحزانها ومشمولاتها الداخلية، قرأ شاهر كل الوجوه التي عبرت تلك الأمكنة، قرأها بفحواها الطقسي وحضورها التراثي وعوالمها المرئية وسماتها التكوينية، والمسكونة بتطويع البيئة لها، والتي بدورها حولتها إلى كائنات محكومة بالأمل والحب والعطاء والإمعان في العشق للأرض والإنسان حين تستفيق مع الفجر كطيور الروح وضوء المصابيح، ليحرثوا تلك الأزقة والأحياء بالعمل والتوقد ونداءات الحياة والإدهاش.
لم تغفل عدسة شاهر تلك الظلال المنسية من الوجوه التي كادت أن تضيع تحت ركام السنوات، وسطوة الزمن وزحزحة الأيام القاسية، ففاض مستودعه بأسمائهم وصورهم مما جعل بعضهم يتباكى على ملامحه الآن، وقد عبثت بها مخالب الدهر وندوب الكآبة وصقيع العمر الآفل، ظهر عبدالله شاهر في ذكرياته كالولد الشقي، والذي يستبطن تحت جلده وتندس تحت مساماته مشاكساته واستدراجاته حتى في طفولته، يقول ص 40: "وصلتنا رسالة من أبها ونحن في جدة تفيد أن خالي وزوجته وجدتي سيأتون لأداء فريضة الحج، وقد أرسلنا لهم وصفا عن موقع منزلنا في جدة، ولم يكن هناك تلفون لديهم أخذت من الدكان المجاور لنا بخاخ البوية بلونه الأسود "أسبريه" وقمت بالكتابة على جميع الأسوار عبارة "إلى منزل آل شاهر" مرفقة بالسهم وعلى امتداد اثنين كيلو".