للفنان الكبير محمد عبده مساحة هائلة في القلب والذاكرة، تشعلها أغنياته كلما هبت كنسمة هانئة عابرة إذاعة أو تلفزيون، لكن الوفرة التي يتيحها والوجود الذي يطرحه يحييان الأسئلة العتيقة ويستدعيان استفهامات الكم والكيفية. أعرف أن التوقف مسألة حساسة لتجربة كتجربته ولقيمة كقيمته، لكن نحتاج أحيانا لصدمة المصارحة ووقاحة المحبة لنذكره أن الزمن تغير وتبدلت الذائقة وشروط النجومية وازدحمت الساحات بالكثير.. غاب الأحبة والمنافسون ورفاق الرحلة المفعمة بالجمال والإبداع، ومن بقي لاذ بالصمت والعزلة وانشغل بالنهايات، أخذته الدنيا في مشاويرها المضنية. أعرف أن الابتعاد مؤلم ويحتاج إلى فهم وقبل ذلك قوة، وأبو نوره خير من يدرك ويعي، لكن وتحت أي ظرف سيحين موعد التوقف.. هكذا تقول لنا الحياة في دروسها المكررة؛ فالقوة وردود الأفعال على ما يطرح من أعمال مجرد شعور عاطفي محكوم بالذكريات والحنين وما تراكم في الروح من ومضات جميلة لا أكثر، فنحن كمحبين وعشاق لا نريد سوى تذكرك في أزهى وأبهى ما كان.. قلة من استطاعوا الاستمرار حتى النهاية أقوياء متوقدين بالتجدد والعطاء، واختيار الوقت المناسب للتوقف هو الذكاء عينه، وأظن أن هذه اللحظة أزفت وتجلت مسبباتها، ومن الصعوبة القصوى مواكبة كل هذا التغير في مزاج الأجيال الجديدة التي تتدفق صخبا ونزقا ومزاجية بلحظية إيقاع عصري نفاث يجرف الجميع، وما ينطبق على الحياة ينطبق على الفن.
كثيرون هم الذين ظنوا أن الزمن لا يمكن أن يتجاوزهم، أكثر منهم من آمنوا بقدرتهم على مواكبة التغيرات وفهم وقائع اللحظة، مستندين على إدراكهم وتجربتهم العريضة، لكن اكتشفوا خطأ توقعاتهم حيث لا ينفع الاكتشاف، وكمحبين خلص لا نريد لفناننا العظيم مواجهة هذا الموقف، لأنه وببساطة لا يستحق إلا ما هو خير وطيب.
اعذر صراحتي واغفر تطاولي، لكنها كلمات أريد لها أن تصل بصدق ومحبة هائلة وأدب تستحقه، لأن لك يدا في كل ما هو جميل ومشرق أحببناه مع كل "آه" وفي كل مفردة شدوت بها.