حين قرأتُ خبر تمزيق عميد كلية العلوم والآداب لوحات معرض تشكيلي يُفترض به أن يفتتحه لا أن يمزق لوحاته، لطالبة مبدعة واعدة بكلية الاقتصاد المنزلي، لأنه وجد لوحاتها مُخلة بالأدب ومنافية للشريعة، تخيلتُ بصراحة أن الطالبة أقدمت على رسم أعمال إباحية، والعياذ بالله، وحين شاهدتُ ما تبقى من لوحتها، لم أجدها سوى وجوه وملامح إنسانية بريئة بحس فني، وصعقني اعتذاره بتبرير! ليس لأنه فضح وجه التشدد القابع في بعض مناصب التعليم العالي لدينا بالمدن الصغيرة خاصة كمدينة بلجرشي، وتجسد في تصرفه وهو يتولى منصبا أكاديميا، إنما جعلني أتخيل ما ينبئ به تصرفه عمّا لم يصل للإعلام والصحافة من حكايات آخرين غير هند ربما مرّوا عليه وتم إقصاؤهم من قبله، لمجرد أن لديهم آراء خلافية لكنها منافية للشريعة والأدب، بحسب تبرير سعادة العميد، فإن كانت طالبة مزق لوحاتها على بساطة أفكارها، فكيف هو تعامله مع طلابه والموظفين والأكاديميين في إدارته وأقسام كليته!؟ هذا ما يجب أن تفتحه الصحافة فعلا بعد تصرف كهذا!

وما صدمني حقا، أنه رغم ما نبأنا به هذا التصرف اللامسؤول، فإننا لا نسمع ولا نرى لوزارة التعليم العالي حسا ولا خبرا! وكأنها "شاهد ماشفش حاجة"! لسان حالها يقول: "اخبطوا رأسكم بالحيط!" ثم يأتي الأسوأ من تبرير العميد، هو موقف مدير جامعة الباحة التي ينتسب لها العميد، إذ جاء "يكحلها" فـ"عماها" حين قال لـ"سبق": "عند حضور العميد شاهد ملاحظات على اللوحات ونوعا من الخدش للحياء.. فقام بتمزيقها" ثم يكمل "بلا شك العميد أخطأ بأنه مزق الصور، لكنه اعترف بالخطأ واعتذر للطالبة وأكد أن ما حدث نتيجة انفعاله من الصور وغيرته"! وكأنه يقول إنه من حقه ذلك! مما يعني أن أي تصرف متسرع مقبول ما دام غيرة على الطالبة التي لم تخطئ، إنما لوحاتها لم تتناسب مع توجه العميد تجاه الفن التشكيلي، وبصراحة، ما يصدق على اعتذار العميد وعلى تبرير مدير جامعة الباحة هو "عذرٌ أقبحُ من ذنبٍ"!

المأساة أن تصرفات كهذه من أشخاص بمناصب أكاديمية يُفترض اختيارها على أساس معايير تقيس مدى مساهمتها في عملية التنمية الفكرية والإنسانية والعلمية التي نحن بأمس الحاجة لها في مجتمعنا، لكن يبدو أن التعيينات تُقاس على معايير أخرى! لتستمر تعبئة تفكير كهذا ضد التنمية والإبداع عبر العمل الأكاديمي الذي يتعامل مع عقول شباب وشابات هم الطاقة التي سيقف المجتمع على سواعدهم! ولهذا إذا عُرف السبب بطل العجب كما يقولون، وعلينا ألا نتساءل لماذا ما تزال جامعاتنا الموقرة تنتج عقولا معبأة ضد التنمية نتيجة التشدد الذي لا يعترف بالخلاف الفقهي!

أخيرا، بعد حكاية "هند وسعادة العميد" نعود إلى النوم كعادتنا، مع قصص صدق أو لا تصدق للمسؤولين لدينا.. وفي انتظار قصة أخرى نحكيها قبل النوم!