عجيب أمر تقنية الاتصالات؛ فهي ما إن تبدأ بشيء ما حتى تنتهي بشيء آخر مختلف تماماً عنه، فمثلاً شبكة الإنترنت التي بدأت بتعاون بين جامعات أميركية، وتلقفتها وزارة الدفاع الأميركية في بداياتها الأولى؛ تحولت حالياً إلى كائن أممي ضخم، دخل في كل شيء، وأضحى جزءاً أساسياً من الحياة اليومية لأي إنسان، وصل إلى حد إيمان الكثيرين أنه لا يمكن الاستغناء عن شبكة الإنترنت أبداً! ولا يمكن تصوّر الحياة بدونها!
المثير في الأمر هو التسارع العجيب لتطور وسائل الاتصال الشبكي، وسرعتنا نحن البشر بالتعامل والتكيف معها، ولعل قرار شركة "مايكروسوفت" الأخير بإيقاف خدمة "الماسنجر Messenger" بداية 2013، ودمجها مع خدمة برنامج "سكايب skype" الذي اشترته مؤخراً؛ أصدق دليل على التحولات السريعة لبرامج الاتصال، وأنه كلما طرح برنامج جديد ذو خصائص أشمل وأسهل؛ اكتسح الساحة، واستولى على الحصة السوقية لمنافسيه بسرعة لا تصدق.
تلكم البرامج الاتصالية التي بقدر ما أبعدت الناس بعضهم عن بعض؛ بقدر ما قرّبتهم من بعضهم البعض! تحتاج إلى مزيدٍ من التعمّق في فهمها، وفهم كيفية تعاملنا معها، وأحد أشهر هذه التطبيقات الذي يستخدم على نطاق واسع في مختلف الهواتف الذكية هو: "الواتس آب Whatsapp" الذي تعتمد فكرته التنافسية على الجمع بين أسلوب الرسائل المباشرة، والرسائل إلى مجموعات محددة، حيث يستطيع الفرد المشاركة بنص أو مقطع فيديو أو صورة، بشكل سريع وبسيط، مما مكّن هذا التطبيق من تصدّر برامج التواصل الجماعي، نظراً لكونه أكثر حميميةً مقارنة بوسائل الاتصال الاجتماعية الأخرى مثل "الفيسبوك" و"تويتر"، رغم كل المخاوف الأمنية من الاختراق والتجسس، كما أن المعرفة الشخصية المباشرة بين الأطراف المتحاورة، وكون الرسائل خاصة ولا يطلع عليها العموم، أسهمت في انتشاره الواسع، ونتيجة تنامي استخدام مثل هذه التطبيقات تقلص استخدام الرسائل النصية في الهواتف المتنقلة، مما أفقد شركات الاتصال أرباحاً مفترضة.
في هذا البرنامج الاتصالي يبدأ الأفراد أولاً بتأسيس مجموعات الأصدقاء، ثم يتطور الأمر إلى مجموعات زملاء العمل، ثم إلى مجموعة أفراد العائلة الواحدة، حيث يتشارك الإخوة والأخوات والأب والأم مجموعةً اتصاليةً واحدة، وهنا بيت القصيد، هذه المجموعة العائلية تكون بدايتها برسائل خفيفة وطرائف وحِكم وأمثال، وما تلبث أن تتحول إلى منصة حوار مباشر، وتبادل أخبار العائلة، طبعاً هذا التواصل الافتراضي تنعكس نتائجه بشكل سريع على أرض الواقع الحقيقي، فكم من عائلة كان الحوار بينهم منقطعاً، وكم من عائلة عانت من الفجوة المتصاعدة بين جيل الأب والأم من جهة، وجيل الأبناء من جهة أخرى، عاد الحديث الطبيعي بين أطراف العائلة الواحدة، وإن كان على استحياء، خصوصًا أن الفرد يستطيع التعبير عن نفسه وعن مشاعره في البرنامج بسهولة وأكثر حرية، أكثر من الحوار المباشر وجهاً لوجه، والأهم من ذلك القدرة على طلب ما لا يمكن طلبه مباشرة، طبعاً قد يجادل البعض أن هذه التطبيقات تسرق الوقت العائلي المفترض، وهذا الزعم صحيح في حالة واحدة فقط، هي وجود مثل هذا الوقت في مجتمعنا المعاصر أصلاً! لـذا فالبعض ينظر بارتياح كبير نحو وسائل الاتصال الجديدة، التي تساعد - من وجهة نظره - الوالدين على تفّهم أفضل لنفسية أبنائهم، والقدرة على تصّور شبكة العلاقات الاجتماعية لهم، من خلال نبرة الحديث، والمصطلحات المستخدمة، وأعداد ونوعية قوائم الأصدقاء في تطبيقات الاتصال المختلفة.
لقد تحوّلت مثل هذه التطبيقات ونحوها إلى وعاءٍ خاطف لتناقل الأخبار، ومشاركة الهوايات، وحل المشاكل، ومجلس للصلح، مما يجعلها في رأي البعض وسيلة تقريب ومودة بين الأفراد، وليس كما يرى البعض أن تلك التطبيقات قد حولتنا إلى جزرٍ متباعدة، نهتم بسرعة الخبر ونقله، أكثر من مشاعرنا، وهم يدللون على ذلك بالمشهد المتكرر في كل مناسبة عائلية أو جلسة أصدقاء، حينما تجد كل واحدٍ وقد تأبط جهازه، وتواصل مع البعيد قبل القريب، رغم أن بعض علماء الاجتماع يفسرون هذا السلوك باعتقاد الأفراد سيطرتهم على القريب الماثل أمامهم، وليس البعيد، الذي يتواصلون معه عبر الجهاز!
لكن الأكثر إثارة في مستخدمي هذه التطبيقات هو أن البعض لديه شخصية عبر "الواتس آب" تختلف عن شخصيته الواقعية، خصوصًا عندما تتغلب المثالية على محتوى اتصاله بشكل أو بأخر، على عكس تعامله اليومي، وبالذات ما يشارك به البعض في مجموعته العائلية، ويختلف عن مشاركته الاتصالية مع أصدقائه وزملائه، وهو ما يحتاج بالتأكيد إلى رصد علمي ودراسة أكثر تعمقاً لمثل هذه الممارسات المتناقضة، وسبب انتقالها من واقعنا الحقيقي إلى عالمنا الافتراضي.
يحتاج الأمر إلى مجرد أسابيع وأشهر - لا أكثر - نحو ظهور جيلٍ جديد من الأجهزة المتقدمة، ونسخ أكثر تطوراً وسرعة لتطبيقات الاتصال الشبكي، فهل سوف نصل إلى مراحل اتصالية أكثر تقدماً وتفاعلاً أم الأمر سوف يأخذ اتجاها آخر؟ هذا - بالتأكيد - ما لا يستطيع أحد التنبؤ به أو مجرد التفكير فيه، لكننا حتماً سوف نصل إليه.