هذا الموسم.. ثاني موسم يمر علي، وأنا لا أشاهد وجه أبي الطاهر الذي ودع الحياة منذ حوالي السنة وأربعة أشهر.. فهو من علمنا - رحمه الله- كيف نحتفي بشهر الصوم، وفتحت عيني في الحياة على شعيرة الصوم من خلال السحور الذي أيقظني له ذات يوم، فلأول مرة أرى أبي وأمي يأكلان في هذا الوقت، ويكفان عند سماع مؤذن الفجر، نظام البيت إذا قد تغير، وتغيرت سحنة أبي وأمي، فليس هناك فطور معتاد، ولا غداء، وأنا لا أعي شيئا، لكن تبدأ مراسم الفطور بعيد الظهر، وتشتد بعد العصر، كان أبي لا يفارق مصحفه في رمضان، ويختم القرآن كل ثلاثة أيام، لا يحيد عن ذلك أبدا، وكان يحثنا-أنا وإخوتي- على القراءة في المصحف مثله، ونحاول، لكننا نعجز عن اللحاق به، وأنا أشهد أن أجواء المسجد التي كنت أمكث فيه بالساعات، لها أعظم الأثر التربوي في النفس، من الهدوء والسكينة والإخبات، وحب القرآن وحب العلم، وإذا انفصلت التربية عن المسجد، فقد فقدت ركنا عظيما، ومن هنا حثت الشريعة على المبادرة للمسجد، وندب المسلم للاعتكاف، فهناك معان إيمانية لا تأتي إلا مع المكوث في أجواء المسجد، وأجد نفسي تحن إلى ذلك المسجد الذي شهدت فيه بواكير صومي في (ظهران الجنوب) فلا أذهب إلى هذه المدينة إلا وتشتعل الرغبة في نفسي لزيارة ذلك المسجد العتيق الذي ظل والدي-رحمه الله- إماما له أكثر من اثنتي عشرة سنة. وكان والدي الكريم يجمعنا –العائلة جميعا- لنستمع لدعاء الختم، وكان يقرأ في ذلك الدعاء المأثور عن ابن تيمية – ولا تصح نسبته إليه- لكنه على كل حال مشتمل على أدعية عظيمة، ولم أر لحفز الهمة في قراءة القرآن في رمضان مثل رؤية القدوات الكبار – كأبي رحمه الله- وكان هو من يؤم الناس في التراويح في رمضان، وأظنه أول من أقام – صلاة التهجد(القيام) في تلك البلدة، وأول إمام يقرأ بعد صلاة العصر من كتاب الشيخ إبراهيم العبيد (عقود اللؤلو والمرجان في وظائف شهر رمضان) وكان يقرأ علينا بالألحان على الطريقة النجدية التي رآها في الرياض وشقراء إبان دراسته هناك في أواسط عمره.

وكانت (ليالي أم حديجان) لعبدالعزيز الهزاع، هي مصدر التسلية الوحيد، وكم رأيت أبي وهو يكركر ضحكا، حين يستمع لقفشات الهزاع.

ولما شببنا عن الطوق بقيت تلك المعاني الرمضانية ماثلة في النفس، وهي كالمروءة تؤخذ بالطبع والمحاكاة لا بالتلقين، والصغير لا يكاد ينسى، فرحمك الله يا أبي كفاء ما أسديت لنا من جميل، وجبلتنا عليه من طبع حسن، وحب للدين وأهله، وللعلم وصحبه. وجعل الله مثواك أعالي الجنان، مع النبيين والصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقا.