بدلا من الحديث إلينا نحن ذوي المقالات المطولة والتنظيرات المتعبة لقرائها أحيانا، وبعد أن تخلينا عن حيز ليس بالقليل في فضاء صناعة الرأي أو توجيهه – وهذا مجرد ظن حسن – فإن القادمين الجدد إلى عوالم التأثير الجديدة هم أيضا يستحقون شيئا من الإصغاء إليهم والاستماع لرأيهم، والانتباه لمواقفهم وحروفهم القليلة وخفيفة الظل. يبدو إذًا أن عادل فقيه استوعب هذه المعادلة جيدا.

القادمون من عالم التجارة ينتبهون فورا إلى الورقة الرابحة مبكرا، ويجيدون التفريق بين حركة حجار الدومينو، وأيها يمكن أن يساعد على الانتصار، وأظن أن وزارة العمل بالفعل كانت بحاجة لرجل قادم من عالم التجارة والمال والأعمال أكثر من حاجتها لرجل قادم من عوالم الإدارة والبيروقرطية.

ليست هذه هي المرة الأولى التي أتناول فيها وزارة العمل، ووزيرها الأخ المتطلع لإنجاز مهمته بكل حماس وبكل وطنية معالي المهندس عادل فقيه.. مع عادل فقيه تعرفنا نحن معاشر الكتاب والإعلاميين والمشتغلين بالتأثير العام على وزير لا يجلس، وهو يتحدث في اجتماعات النقاش، وعلى وزير لا يقرأ من ورقة أمامه، وعلى وزير يقف كمذيعي النشرات الجوية في التلفزيونات يشرح بالأرقام والمنطق والإحصاءات ما الذي تحتاجه قضايا التوطين، وحلول إشكالات البطالة من مشاريع، وما الذي يجب أن تتخذه من إجراءات حتى لو كانت تلك الإجراءات مؤلمة ومدوية أحيانا.

يتحدث إلي أحد الأصدقاء من رجال الأعمال، بأن كثيرا من الموظفين الأجانب يفكرون هم وأصدقاؤهم في مغادرة المملكة؛ لأن الأنظمة والإجراءات أصبحت تضغط عليهم للغاية، كان يقولها وهو يكرر: انظر ماذا فعل صاحبكم وما هي نتائج قراراته؟ في الواقع لم يكن يدر بخلد صديقي ذلك أن ما ذكره عن نية العاملين الأجانب مغادرة المملكة كان بالنسبة لي خبرا سعيدا وسارا للغاية، وبخاصة ممن يشغلون وظائف يمكن للحاجة والاضطرار أن تقودنا إلى توطينها وتأهيل الكوادر الوطنية للالتحاق بها، خاصة أن الذين يستوعبون الواقع الاجتماعي السعودي جيدا يدركون أن كثيرا من الحلول ما لم ترتبط باحتياج وباضطرار فنحن نتراخى كثيرا في البحث لها عن حل.

العشاء الأخير – بمعنى الذي عقد مؤخرا – الذي أقامه وزير العمل هذه المرة، كان لمجموعة من المغردين على "تويتر"، هذا الموقع الذي بات جزءا من المرآة العاكسة للواقع اليومي في الحياة السعودية، هؤلاء يؤثرون ويتفاعل الكثيرون معهم، ويمثلون جزءا من قراءة الجيل الجديد لهذه القضايا الجديدة، وبالتالي لم يجتمع معهم الوزير لأنهم الأعلى صوتا ولا الأكثر تأثيرا، بل لأنهم الأحدث وعيا. كان اللقاء يهدف لاستثمار هذا الوعي الجديد لمقارعة الأفكار والإشكالات القديمة، التي باتت تمثل عوائق تشتبك بسبب وبلا سبب أحيانا مع كثير من القرارات التنموية، وتدخل معها في مواجهة، وفي مشروع تأنيث العمل في محلات الملابس النسائية مثال واضح جدا على ذلك.

لكن آخر القرارات المتعلقة بالعمل والعمالة، لم يكن نظريا ولا إجرائيا فقط، لقد ارتبط بأكثر النقاط حساسية وأهمية لدى العامل ولدى رب العمل، إنه المال. وهو ما أحدث هذه الضجة الكبرى التي أعقبت البدء في تطبيق القرار. من الواضح أن ذوي الثقافة الاستهلاكية لا يقرؤون، فلقد أخذوا يتعاملون مع القرار، وكأن وزير العمل استيقظ صباحا وبعد أن فتح عينيه قرر أن يرفع رسوم العمالة إلى 2400 سنويا، أي مائتي ريال في الشهر، علما أن القرار صادر من مجلس الوزراء وليس جديدا. لكن هذا ليس سوى جانب من المعركة التنموية، التي يجب على كل الجهات والوزارات أن تخوضها، وكلنا ندرك أن كثيرا من القرارات غالبا ما تكون صادمة، يكفي أنها تمثل خروجا من سكون سابق إلى جديد متحرك ومتغير.

من حق كل رجال الأعمال إبداء وجهة نظرهم في تطبيق القرار، ومن حق الوزارة أن تواصل مرونتها في التطبيق والنظر إلى الواقع الاستثماري، الذي تتنوع فيه الشركات والمؤسسات من حيث النشاط والخبرة والاحتياج للدعم والدور الذي تقدمه في التنمية الوطنية.

إن معادلات التنمية وتحدياتها ليست سهلة، وإن هذا الجيل من الشباب هم المعنيون بها؛ لأنها خريطة طريق مستقبلهم، كان من المضحك جدا اتهام الشباب المدعوين لذلك اللقاء بأن الوزارة تسعى لكسبهم؛ كي يتوقف نقدهم لها؛ لأن ذلك في المقام الأول عدوان على الشباب قبل أن يكون على الوزارة؛ ولأن غرض الوزير هو ذلك الجيل ووعيه الجديد وليس فرسان "تويتر"، بدليل أن التعليقات التي تناولت كوب العصير الذي انسكب على ثوب الوزير، أكثر من تناولها لما حمله اللقاء من أفكار.