كان قد أعد قهوته الخاصة بنفسه ثم انتخب مكانا هادئا في المنزل اعتاد على أن يكون مضمارا للبدء في القراءة، الإضاءة المركزة ورواية بكرٌ بين يديه، فيما تتهيأ جوارحه لعناق طويل مع الكلمة والإيحاء والدلالة المثيرة، ساعات من الانهماك الماتع في عوالم ضاجة وأخرى حالمة حتى تحين لحظة فراق مؤقت على أمل موعد قريب.

مشهد طالما ألفناه قبيل سنوات الهجمة التقنية بألوانها ومغرياتها وسبل إغوائها التي أخذت كثيرا منا بعيدا عن تلكم الأجواء الحميمة التي نقضيها في حضرة كتاب أو رواية أو ديوان شعر، مشهد ينزوي أثره ويتبدد في أفق "الديجتال" وصرعات الروابط المتكاثرة وهجمات "الميكروثانية"؛ حتى أضحت حياتنا أشبه ما تكون بمقطع سريع كتلك المنتشرة في أجهزتنا الذكية والمتذاكية.

الحصول على لحظات صفاء ذهني أصبح كالبحث عن إبرة في كومة من القش كما يقال، وهل القراءة إلا حالة من الإمتاع في مقامها الأول؟ وأحوج ما تكون إليه هذه الحالة هو لحظة صفاء ذهني أصيلة وغير مصطنعة، إذ استحال انتزاع تلكم اللحظات في حياتنا وعلى صعيد الاشتغال الفكري والإبداعي محض عبث، فلسنا وحدنا حين لا تكاد تفارقنا تلكم الأكوان الرقمية القابعة في جيوبنا وحقائبنا وهي تنادي أن هئت لكم، روابط ومقاطع مشاهدة وأخرى مسموعة.

وأرجو بعد ذلك ألا نصدق كذبة القراءة الإلكترونية المؤدية إلى تبديد قدرة التآزر الذهني والجسدي، فليس – كما أجزم - أنفع ولا أكبر أثرا من القراءة المادية الحية المحسوسة من كتاب تحمله بين يديك، أو صحيفة تقلب أوراقها متجولا ببصرك بين أخبارها وتقاريرها، صورها ومقالاتها، عناوينها.. هل قلت تشتم رائحتها؟ نعم فتشكيل نمط التلقي مرتهن إلى كثير من العوامل، أبرزها الشعور بالمادة وإعمال القدرات الفطرية في التعاطي معها وصولا إلى ما يسمى بالدخول والنفاذ غير الإرادي، وهنا يمكن القول بأن حالة قرائية أو كتابية تحدث.

حتى وأنا أكتب على جهاز الحاسب الآن فإنه ليس لي إلا الاعتراف بأن فجوة مهما قل مداها موجودة بيني وبين ما أدونه، شيء من الحميمية مفقود، بعض من التركيز متناثر هنا وهناك، ملمس القلم وهو ينغمس برفق على سطح الورقة ويتحسس نعومتها، انسياب الحرف ورقصة الكلمة وانتشاء العبارة ووهج المعنى.. كل ذلك يغادر.

هل أعيدكم إلى الوراء بهذا؟ فليكن، غير أن التجربة عندي ماثلة ولها رونقها في عصر اختزل لحظاتنا ووجودنا كله في لمسة سريعة على سطح لوح رقمي.