يعمل بهمة ونشاط في إحدى الغابات، حطّابٌ منهمكٌ في قطع إحدى الأشجار الكبيرة، لم يهتم بقطرها وبزمن قطعها، مر به أحدهم وسأله ماذا تفعل؟ أجابه الحطاب كما ترى فأنا أقطع الأشجار! فهمس له الآخر برأفة لِما رآه، أنت تبدو مرهقاً، فكم مضى عليك من الوقت وأنت تقطع هذه الشجرة، فرد الحطاب: أكثر من خمس ساعات استهلكت قواي ولكن العمل الشاق هكذا! سأله الآخر: حسناً لماذا لا تستريح بضع دقائق لتشحذ منشارك، لعلك لو فعلت، فسيقطع المنشار الشجرة بسرعة أكبر، وتختصر الوقت والجهد بدلاً من أن تهدره؟

أجابه الحطاب متذمراً: دعني وعملي أرجوك لا تضيّع وقتي، ألا تراني مشغولاً، وليس لدي الوقت الكافي لشحذ المنشار!

قصة مستوحاة من العادة السابعة من (العادات السبع لذوي الفعالية العالية) للمفكر الأمريكي ستيفن كوفي، المتمثلة بشحذ المنشار للتعبير عن تجديد الحياة وشحذ الهمة والطاقة للاستمرار الأمثل في العيش والمحُددة بأبعاد أربعة، بدأت بالجسدي والاعتناء بالجسم من غذاء صحي وتمارين رياضية وحصول على قسط وافٍ من الراحة والاسترخاء الإيحائي والإيجابي لتجديد دم الحياة، أما البعد الروحي وهو (جوهر الإنسان) وما في داخله من الحياة من قرارات وأهداف ورسالة.

الكاتب آرثر جوردن كانت له تجربة ثرية في التجديد عندما بدأ التخبط شعوراً بأن كل شيء في حياته أصبح مملاً وسطحياً، ولا يستطيع مواصلة الكتابة، وازدادت حالته سوءاً وكآبة، فقرر الذهاب إلى عيادة متخصصة، فسأله طبيبه - بعد أن وجده سليماً معافى جسدياً - إن كان يستطيع اتباع تعليماته لمدة يوم واحد (فقط) ؟ أجابه جوردن بالإيجاب المطلق، فقام الطبيب بكتابة أربع وصفات، وأخبره أن يفتح الأولى الساعة التاسعة صباحاً، والثانية الساعة الثانية عشرة، والثالثة الساعة الثالثة، والرابعة الساعة السادسة مساء، وطلب منه أن يقضي اليوم التالي مباشرة في المكان الذي أمضى فيه أجمل ذكريات طفولته.

ذهب جوردن إلى شاطئ الوصفة، وفتح الأولى، فوجد فيها كلمتين فقط (أصغ واسمع). دُهش لهذه الوصفة، وبدأ في تطبيقها بالإنصات لما حوله، فسمع صوت البحر والطيور وبعد فترة من الاستماع أخذ يفكر ويتأمل في دروس الحقيقة بدءاً من الصبر والتحمل والتعاون التي علمها البحر له عندما كان صغيراً، حينها بدأ يشعر بهدوء وسلام جامح داخله.

وفي الظهيرة فتح الوصفة الثانية فوجد فيها أيضاً كلمتين (حاول الرجوع)، تساءل حينها (الرجوع لماذا؟)، ربما إلى الطفولة، إلى الماضي، واللحظات السعيدة القصيرة، وأثناء عملية التذكر شعر بدفء يسري في داخله تدريجياً، وفي الساعة الثالثة عصراً فتح الوصفة الثالثة، وكانت مختلفة في عدد الكلمات والاتباع (افحص واختبر دوافعك). فكر لحظياً فيما يريد من نجاح وشهرة وأمان ثم عدلها جميعاً، بعد ذلك جالت بخاطره فكرة أن تلك الدوافع ليست كافية، ولعل في داخله الإجابة على موقفه الممل!

تفكر جوردن حينها في دوافعه ملياً فكر في سعادته الماضية، حتى جاءته الإجابة، فأمسك قلماً وكتب "في لمعة من ثقة رأيت أن دوافع المرء إن جانبت الصواب، لا شيء يمكن أن يكون صحيحاً، فلا فرق عندي بين ساعي البريد أو الخادمة.. طالما أنك تخدم الآخرين وتفيدهم، فأنت تقوم بعملك على ما يرام، لكن إذا كنت غير مهتم إلا بمساعدة نفسك، فستقوم بعملك بشكل أقل كفاءة - فهذا قانون ثابت كقانون الجاذبية".

في الساعة السادسة قرأ الورقة الأخيرة وهي (اكتب همومك على الرمال) فكتب العديد من الكلمات والآهات على صدفة مكسورة، استدار عائداً إلى منزله، لم ينظر إلى الوراء أبداً لأن المد سيأتي!

بدأ أغلب المجتمع السعودي إجازته، وقد تكون مجددة ومتجددة في قيمتها، وإن كان الكثير محملاً بهموم الحياة ومتطلباتها بل استنزافها، ولكن تبقى لهم قرارات الالتزام الشخصية، فإذا فهمنا توازننا وأهدافنا فهماً جيداً استطعنا مراجعة أنفسنا في تناغم مع تلك القيم، فالبعد الفكري يأتي ليعزز ذلك نبعاً من التخطيط والتطوير الفكري والمهني، والبعض يترك عقله عرضة للضمور، ويعيش أسيراً لمتطلبات الحياة لتستنزفه أسفاً، وشحذ الذهن وتوسيع المدارك يدعو لأفق التجديد في الحياة بكافة جوانبها، ويتبقى البعد الاجتماعي منحصراً في الاتصال العاطفي والتعاون الخلاق مع الآخرين. ممارسة الأبعاد الأربعة في حياتنا وإجازاتنا تجعل (شحذ المنشار) عادة تمدنا طاقة وتجديداً ومراجعةً للنفس نحو صنع أهداف جديدة نحو الأفضل بوقود متجدد نحو الرضا في حياتنا نحو تطوير أنفسنا وبناء مستقبل وطننا.

أوجزها الحبيب محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ في قوله "إن لنفسك عليك حقا، وإن لبدنك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه".