ربما يظن بعضكم أن الوطنية لا تُعلّم ولا تُدرّس؛ أي أنها أشبه بالفطرة، وكما غالبية العرب نظن الوطنية علاقة عاطفية بيننا وبين الوطن، فنردد:

وطني لو شغلت بالخلد عنه = = نازعتني إليه في الخلد نفسي... إلخ من المشاعر الجياشة التي اتسعت لها لغتنا حتى صارت سمة فيها، لكن الوطنية أعمق من ذلك بكثير. في الواقع أن الدراسات النفسية والعلمية ترفض ذلك تماماً.

وجدت في منهج الوطنية في دولة أجنبية صفحات ودروسا تتحدث عن كيف تكون مواطناً، وكلها ركزت على بناء مواطن لديه موقف من كل شيء، مواطن يضع بصمته حيثما ذهب، مواطن صانع عامل واهب معطٍ، أياً كان عمله.

إن ذلك هو ما أشار له جزء من حديث عظيم من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرّة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة"؛ أي أن المسلم لا يهمه الموقع الذي يتبوؤه، فهو في كل مكان في خدمة أمته، فكيف إذا كانت هذه الأمة كبلادنا أولى أولوياتها الإسلام دعوةً ومنهجاً وحياةً؟!

في أول يوم من رمضان الماضي حضرت حفلاً لجمعية شفاء التي تترأس القسم النسائي فيها الدكتورة منيرة العكاس، وهي سيدة خدمت التعليم سنوات عديدة، ثم قررت التقاعد، لكنها لم تركن إلى الكسل أو تطلب الراحة، بل انخرطت في خدمة وطنها ومجتمعها، قلت لنفسي ليلتها: "لا أغبط أحداً قدرك يا منيرة" وأنا أشاهد عرضاً تقديمياً عن خدمات الجمعية الطبية، وكيف أوصلوا إحسانهم لأناس في أحياء فقيرة جداً داخل مكة، في أزقة وحارات يرقد في بيوتها مقيمون ومواطنون لا يستطيعون الوصول إلى المستشفيات، تكلم بعضهم في العرض شاكرين للناس إحسانهم ورأفتهم بهم، والشكر موصول للسيدة الرائعة التي تقف خلف كل هذا.

منيرة العكاس التي تدخل قلوب الصغار والكبار دون استئذان، بتاريخ حافل في مناصب شتى قررت استخدام علاقاتها واحترام الناس لها لأجل ضعفاء الحرم وفقراء الوطن، هل هناك أجمل من هذا؟

النموذج الآخر هو تركي المحيسن الذي يضيء اسمه عنوان مقالي، وهو معلم شاب مواطن حقيقي قرر ألاّ ينتظر أحداً يحقق حلمه في مجال عمله؛ فحول فصله إلى فصل من فصول المستقبل، واعتمد على راتبه ليمنح طلابه في قرية نائية الدراسة في فصل يشبه الحلم، تزينه صورهم مع أستاذهم والعديد من أدوات ووسائل التعليم الحديثة. المال يذهب ويجيء وسيبقى تركي في ذاكرة طلابه دائماً.

قد يقول البعض: لِمَ نقدم لهؤلاء؟ لِمَ نقوم بدور الحكومة.. أليس هذا دورها؟

الأشياء المختلفة يصنعها الأناس المختلفون، صناعة الفرق لا تحدث صدفة على يد أناس لا يعون أهمية أن يكون لهم دور، بل أشخاص يسبقون الدنيا بخطوة، هؤلاء فقط يحتفي بهم الوطن ويقدمهم قبل غيرهم ليهدي لهم شكره وثناءه.