نشأ جيلي – جيل حرب الخليج – وتشكل وعيه وإدراكه على عالم عربي غائب عنه العراق. هذه الدولة العربية الكبيرة والمهمة التي كان لها منذ ظهور دول المنطقة عقب سقوط الدولة العثمانية قدم سبق في السياسة العربية، وموقع لا يستهان به، تحولت مع الوقت لمجرد خبر في شريط الأخبار بالنسبة لغالبية المجتمعات العربية، بدءا من الجيل الذي عاصر حرب الخليج وتبعاته من الحصار الأميركي، مرورا بالحرب الأميركية عليه وانتهاء بحالته الراهنة التي لا يزال عليها من انقسام وإرهاب. جيل عربي كامل – وخليجي على وجه الخصوص – نشأ والعراق لا يمثل له سوى منطقة غائبة عنه وجدانيا ومعرفيا. العراق – الذي كان يماثل الخليج في ثرائه وتقاليده ومصر في تاريخها ودورها والشام في ثقافته وانفتاحه – أصبح لجيلي دولة مستثناة من الوعي العام، مجرد اسم على الخارطة دون إدراك حقيقي لما كان عليه العراق في يوم ما، أصبح مجرد دولة مختزلة في صور نمطية وإعلامية معينة.

لقد تحول العراقي بالنسبة لنا كمجتمع – وعلى عكس المصري أو الشامي أو المغربي – إلى "آخر" مجهول، معرفتنا به ضئيلة ومحدودة، وأسيرة أنماط شكلها عقدان من الزمان تنقل فيها العراقي من كونه مواطن دولة عدو ومظلوما (أيام صدام وإعلامه) إلى مواطن دولة مظلومة (أيام الحرب الأميركية) وإلى عدو تابع لإيران أوصديق بناء على طائفته فيما بعد. إن داء الاستقطاب المذهبي الذي أصاب منطقتنا هو أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلى تشويش الرؤية المجتمعية والسياسية على حد سواء، وقيامنا باختزال العراق من منظور الرؤية المذهبية – كما يحدث اليوم – فيه تنكر لكل تاريخ العراق الحافل منذ تأسيسه ولعروبته (الشيعة والسنة على السواء).

الوجدان العراقي في المقابل عانى على مر تلك السنوات كما عانى كل شيء آخر في العراق. وكان أكثر ما أثار تساؤلي في نقاشي مع العراقيين أو في الزيارات التي حظيت بها إلى العراق هو كيف ينظر العراقي لنا؟ بخاصة الخليجيين. هناك شعور كبير بالمرارة يمكن أن تستشفه في الحديث مع العراقي، مرارة من شعور بإهمال العرب وتنكرهم لهم، شعور بالمرارة لكونهم دولة كانت في يوم من الأيام غنية ومتقدمة ورائدة ثم انحدرت إلى الوضع التي هي عليه، ثم هناك شعور بالمرارة من كونهم فقدوا مظلة عروبتهم في ظل هذا الاستقطاب السني – الشيعي الذي ضرب المنطقة خلال السنوات الأخيرة بسبب الاستقطاب مع إيران، بقدر ما يحمل رجل الشارع الخليجي من شعور بانسياق العراق كدولة في محور إيران بقدر ما يحمل العراقي (السني والشيعي على السواء) من شعور بتنكر العرب وإهمالهم لهم.

بعض كلمات القصائد العراقية الشعبية تعبر عن ذلك بشكل كبير، وتكشف حقيقة شعور العراقي العربي بعد جيل كامل عصفت فيه بمنطقتنا (الخليج والعراق خصوصا) الكثير من التحولات. الشاعر الشعبي العراقي سمير صبيح يقول في إحدى قصائده:

"عراق ليا وقت تشعل للضيف نار

وبهدومك تطب لو جاع خطّارك

أمس جارك بالكذب ما مرّ بيك

وإنت تصب حزن من ينجرح جارك

أمس كل العرب وقفوا مع الجلاد

يمدوله حطب من تنخمد نارك".

وفي قصيدة لشاعر آخر قام المغني حسام الرسام بإلقائها كموال يقول في تعبير صادق عن شعور العراقي تجاه جيرانهم العرب:

"شفتك بكيت لوحدك ما احد بكا وياك

إنت ما تحتج دمعة بدون غيرة

مسحت دموعهم من هدّة الخيل

وحفظت عروش وشيوخ وعشيرة

أنا نطاقي دول مو جلّبت بيه

وأمس حفظت هيبتها الجزيرة

أمس بيريتي (قبعتي) منخل للرصاصات

وخليج العرب شطّي وما أديره

أحاسبكم على كل ما جرا وياي

وكل من ذنبه بعيونه وجريرة"

الوجدان العربي – الخليجي خصوصا – على مدى جيل لم يعرف عن العراق إلا ما تناقلته قنوات الأخبار، بدءا من سي إن إن أيام حرب الخليج وحتى الجزيرة والعربية إبان الحرب الأميركية عليه، وجدانٌ تعامل مع العراق كحالة عربية أخرى من حالات الفشل والتشتت، أقصاها إما التعاطف المعنوي أيام الحصار أو التعاطف المذهبي فيما بعد، والذي عزز من انقسام وشرخ الجسد العربي. في المقابل فإن الوجدان العراقي – على مدى جيل – لم يعرف عن العرب سوى شعور المظلومية إبان أيام الحصار أو الشعور بالاستقطاب واللجوء للطائفة أيام الفتنة المذهبية التي عصفت به ولا تزال قائمة للأسف إلى اليوم. غالبية العراقيين – سنة وشيعة على السواء – يضعون عروبتهم قبل أي انتماء مذهبي، هكذا كان العراق وهكذا حاول أن يظل. ورغم الاختلاف الكبير الذي ربما تجده السياسة الخليجية مع السياسة العراقية اليوم، فإن هذا لا يلغي تلك الحقيقة.

العراق غائب عنا بالقدر الذي قررنا نحن فيه أن نغيب عنه، لا سياسيا فقط وإنما حتى على صعيد المجتمع والترابط الوجداني. والعراق يبتعد عنا لا بسبب اقتراب الآخرين منه، وإنما بسبب ابتعادنا نحن عنه. الخطأ التاريخي الذي يتم ارتكابه اليوم هو قرارنا بالاستمرار في الابتعاد عن العراق وشعبه بسبب ساسته أو اختلافنا كدول معه على صعيد معين، بينما هناك الكثير مما يجمعنا به وهناك الكثير مما يمكن القيام به ليعود العراق الغائب إلى الحاضر العربي. وهذا يتطلب أن يعود العراق إلى وجداننا في المقام الأول، لا كعراق السنة والشيعة وإنما كالعراق الذي كان دوما جزءا من الجسد العربي.