من أكثر الأمور التي تثير استغرابي عند متابعة السجالات الفكرية التي تشهدها ساحات الحوار المحلي هي أن جلها يرتكز على المسائل والقضايا الفكرية مع إغراق واضح في التنظير أو التسطيح لماهية المشاكل والكيفية المثلى للعلاج، مع غياب تام للموضوعية والحكم على المسائل وفق رؤية بعيدة عن الأدلجة.

نقاشات النخب ومعها العامة في كثير منها تعتمد على العاطفة كوسيلة إقناع، والتجييش كسلاح هجومي لحرب فكرية محصلتها نقاشات (سفسطائية) تناقش أيهما أتى قبلا البيضة أم الدجاجة! وفي مجملها تهدف لتصفية الحسابات مع المخالف وتجريمه أمام الجمهور لمجرد الاختلاف.

نادرا ما أجد اهتماما في مناقشة القضايا التي تتعلق بالمسائل الصناعية مثلا أو التنموية أو حتى الاجتماعية من منطلقات علمية، أو وفق تحليلات منطقية بعيدة عن التخوين والتسفيه، فلغة الأرقام عصية كما يبدو على من يجيد فقط التلاعب بالعبارات الرنانة المشبعة ببكائيات ومواقف شخصية ووسيلة تحتاج لمجهود فكري ووعي حقيقي لكيف يمكن تقديم علاجات لتلك المشكلة أو تلك.

هناك غياب تام لتحليل SWOT المرتكز على تحليل (القوة، الضعف، المخاطر، الفرص) عند تناول القضايا، ومرد ذلك في تقديري أن المجتمع بشكل عام تعود على التعامل مع مشاكله وفق ردات الفعل والارتجال في التعاطي وإدارة الأزمات، أو ربما الإدارة بالبركة، في حين يقدم (تحليل الموقف) SWOT إمكانية عملية للنظر في أي قضية أو موقف أو مشروع أو فكرة بطريقة تنظر للموضع بأبعاده المتكاملة، وتجنب العاطفة الشخصية التدخل في إطلاق الأحكام، وتعطي الفرصة لإيجاد الحلول بناء على معطيات حقيقية.

فقضايا مثل تشغيل النساء في محلات الملابس النسائية أو نظام ساهر أو برنامج نطاقات وغيرها من المواضيع التي أثارت وتثير النقاشات بين أوساط المواطنين نخبا وعامة لو كان النظر إليها يعتمد أسلوبا آخر غير النظرة التشككية في أخلاق مجتمعنا فيما يتعلق بتشغيل المرأة والنظرة التظلمية من غرامات "ساهر" ونظرية المؤامرة في نطاقات.. واستبدل ذلك بتحليل القوة المضافة للمجتمع من تطبيق ذلك القرار وماهية نقاط ضعفه التي تحتاج إلى إصلاح ونقد، والمخاطر المحتملة، بما فيها تلك التي تعتمد على النظرة العاطفية للموضوع، والفرص التي سيمنحها تطبيق ذلك النظام لدعم المجتمع أمنيا وماليا ونظاميا؛ لوصل صاحب الرأي حينها لقرار ربما يخالف تماما نظرته العاطفية التي تعوّد عليها، ولاكتشف أن إطلاق الأحكام المبنية على تحليل منطقي أقوى من النظر للأمور فقط من خلال عباراته الرنانة وديباجاته العاطفية.