كانت أشكال الرشوة في الماضي بسيطة وأحياناً ساذجة، تتمثل في هدايا بسيطة لا تتعدى (زجاجة عطر) أو (هاتفا جوالا) أو مبلغا يسيرا من المال لا يتعدى آلاف الريالات، وكانت الخدمة المطلوبة آنذاك أيضاً سطحية لا تتعدى سوى تسريع الإجراءات البيروقراطية وإنهاء المعاملات في وقتها المطلوب.
ومع مرور الوقت، ونتيجةً للتطور السريع والنمو الاقتصادي للمملكة، بدأت أشكال الرشوة تتغير وتأخذ طابعاً أعمق خبرة وأكثر تطوراً وبمبالغ خيالية تتعدى مئات الملايين، وأصبح للبعض من الموظفين إلمام واسع بأصول اللعبة.
ومؤخراً، بدأ الإعلام بجميع وسائله، يسلّط الضوء على قضايا الرشوة بتفاصيلها وحيثياتها وأساليب كشفها، ومن هذه القضايا: ما نشرته "الوطن" عن قضايا ومحاكمات لعدد من كتّاب العدل قاموا بتزوير صكوك و وكالات مقابل مبالغ ضخمة دفعها بعض رجال الأعمال.
وقضية كتّاب العدل بالتحديد أثارت دهشة واستغراب الكثير من الناس، وذلك بسبب ضخامة المبالغ المدفوعة أولاً، وإسباغ القدسية على مهنة كاتب العدل لارتباطها بالتخصصات الدينية والشرعية ثانياً، هذا فضلاً عن عدم إدراك أهمية وظيفة كاتب العدل وآثارها القانونية في فقه المعاملات والتوثيق.
في الحقيقة يعاني المجتمع بشكل عام، ضعفاً في الوعي بثقافة الفساد والآثار السلبية المترتبة عليها، ومنها "الرشوة"، ففي وقت قريب، كانت حسابات بعض الشركات تتضمن بنوداً للمصروفات باسم "إكرامية كاتب العدل" تظهر بشكل واضح وصريح في القوائم المالية، والغريب في الأمر أن من يراجع هذه المصروفات هو المراجع الخارجي (المحاسب القانوني) وجهات رقابية حكومية أخرى، تمر عليهم مرور الكرام دون أدنى إحساس بالمسؤولية تجاه هذه الرشوة الواضحة والظاهرة في الحسابات!
للأسف الشديد، تكاد الرشوة تكون في بعض الشركات، ممارسة عادية بل ومطلوبة لإنجاز أعمالها ومهامها، فبعضهم يقول:" من الصعب على أية شركة الحصول على أي عقد حكومي، أو إنجاز معاملاتها، ما لم تدفع ثمناً مقدماً، يتناسب مع أهمية الوظيفة الحكومية، وهذا الثمن سوف يسترد من تكاليف العقود نفسها"، وبالطبع فإن هذه الرشوة سوف تتم معالجتها محاسبياً فيما بعد من قبل المراجع القانوني للشركة، لذا فإن نشر قضايا الرشوة في الإعلام يعطي درساً للموظفين والمسؤولين والمحاسبين وللمجتمع ككل، في معرفة أسباب الرشوة وطرق اكتشافها وكيفية منعها ومكافحتها، كما أن تقديم المذنبين إلى القضاء يعد عاملاً مهماً لردع الآخرين عن ارتكاب مثل هذه الجريمة.
والحديث عن قضايا الرشوة في كتابة العدل، لا يعني أنها منتشرة في هذا القطاع أو أنها قاصرة عليه بالتحديد، ولكنها تمثل نموذجا مناسبا للطرح والمناقشة لما قد تعانيه الجهات الحكومية الأخرى من أوجه الاحتيال المالي والرشوة، كما أن مهنة كاتب العدل تقوم بدور مهم وفعال في المجتمع من خلال الاختصاصات التي تمارسها، والتي تأتي أهميتها من ارتباطها الوثيق بكافة أوجه نشاطات المجتمع المدنية والتجارية والاقتصادية.
وكما هو معلوم، هناك أسباب وعوامل متعددة للرشوة، وهنا سوف نسلط الضوء على عامل مهم جداً يتعلق بإجراءات الرقابة والضبط الداخلي في كتابات العدل وفروعها، وذلك من خلال دراسة وتحليل الأنظمة واللوائح المتعلقة بمهام واختصاصات كاتب العدل، لأن الرقابة والضبط من أهم العوامل لمنع وقوع الاحتيال والرشوة، والتقليل من مخاطرها.
فمن خلال دراسة اللائحة التنفيذية لاختصاص كاتب العدل والصادرة بالقرار الوزاري رقم 3740 في 17/5/1425هـ، يتضح وجود العديد من الملاحظات على نظام الرقابة الداخلي، ألخصها في النقاط التالية:
• تضمن الكثير من مواد اللائحة اختصاصات كاتب العدل وكاتب الضبط وكاتب السجل، وكذلك كيفية كتابة تفاصيل التوثيق في السجلات وفق الأنظمة والتعليمات. ويلاحظ هنا وجود تركيز للصلاحيات بالنسبة لكاتب العدل دون وجود إجراءات مراجعة أو فصل للوظائف، ومهمة كاتب الضبط مجرد مساندة وتنسيق لأعمال كاتب العدل دون وجود ضابط رقابي لذلك، وهذا يعني إعطاء ثقة عالية جدا دون ضوابط، مما يفتح أبواباً وفرصا وإغراءات لارتكاب عملية الاحتيال.
• تضمنت المادة (55) من اللائحة أن كاتب العدل يخضع للتفتيش القضائي وفقاً للائحة التفتيش، وهذه اللائحة لم تتطرق بالتفصيل لكيفية مراجعة أعمال كتاب العدل، وإنما تناولت التفتيش على القضاة فقط، هذا من جانب. ومن جانب آخر، تضمنت المادة (71) من نظام القضاء، بأن تتولى وزارة العدل الإشراف المالي والإداري على كتابات العدل. والسؤال المطروح هنا: كيف يكون الإشراف الإداري من قبل الوزارة على كتابة العدل؟ وكيف يكون التفتيش القضائي من قبل مجلس القضاء الأعلى؟ وهذا يقتضي أن نفرق بين الجانب الشرعي والجانب الإداري في عمل كاتب العدل، وهذا يصعب تحقيقه على أرض الواقع. وهذا الازدواج قد يؤدي إلى انعدام الرقابة نهائياً على كتابات العدل، والأهم من ذلك كله يجب أن تكون هناك برامج رقابية مفصلة سواء للتفتيش القضائي أو الإداري، ومجدولة زمنياً بشكل دوري.
• بالرغم من أن المادة (9) من اللائحة قد تضمنت بعض قواعد السلوك المهني والنزاهة، إلا أنها جاءت بشكل عام ومقتضب، وهذا ما قد يفسر دخول بعض كتاب العدل في المساهمات العقارية أو شراء أراض بأسمائهم أو بأسماء زوجاتهم وأقاربهم من الدرجة الأولى، بدون أي رادع مهني، ومن ذلك على سبيل المثال التصريح بتضارب المصالح.
بالإضافة إلى ما سبق هناك أمور وعوامل أخرى تتعلق ببيئة العمل في كتابات العدل، وكذلك الموظفين، وأخرى تتعلق بالخرائط التنظيمية سواء في الوزارة أو كتابات العدل. وبما أن الوزارة بصدد تطبيق تقنية المعلومات في جميع فروعها والإدارات التابعة لها، أرى من المهم جداً إعادة النظر في تحديث اللائحة التنفيذية لاختصاصات كاتب العدل بما يتوافق مع أساليب الرقابة الحديثة، وذلك منعاً للاحتيال والرشوة.