أذكر أنه في أحد المجالس كان الحوار عن الاختلافات الفقهية التي تحصل بين علماء الفقه الإسلامي في فتاواهم، وأتى أحد الحاضرين بفكرة جميلة إلا أنها أقرب للخرافة منها للواقع! حيث رغبة منه في الحد من هذا الخلاف؛ اقترح أن يجتمع العلماء تحت سقف واحد ويتناقشوا ثم يخرجوا برأي موحد في جميع القضايا! هذه الفكرة وإن كانت بسيطة وساذجة إلا أنها تحمل في مغزاها الرغبة في الحد من الخلافات في الآراء والفتاوى، ولكن وبدون أدنى شك أن هذه الفكرة لا يمكن تطبيقها، بل تتناقض مع الطبيعة البشرية في اختلاف الطبائع والفهوم، وفي الخلاف رحمة فعلا كما في الأثر المشهور (خلاف أمتي رحمة).

ومن أجمل الكتب في الفقه الإسلامي تلك الكتب التي تعتني بالخلاف الفقهي بين المذاهب، وتقارن بين الأقوال وتستدل وتناقش لكل قول ثم ترجّح بينها، فهي تضيف للفقيه الكثير من المعارف والفوائد وتطلعه على ما لدى الغير من أدلة وآراء ربما لم تطرأ على باله، فضلا عن أنها تقترب من الحق أكثر من خلال ذكر الأدلة والشواهد لكل قول، ولا يمكن أن يُتصور الفقه الإسلامي النقي من التعصب والمذهبية إلا من خلال الفقه المقارن الذي يبحث في كل الأقوال على وجه العدل والإنصاف، ويأخذ منها الصحيح ويترك الضعيف.

هذا في الفقه الإسلامي وعلوم الشريعة، ولكن ماذا عن العلم الدنيوي علم القانون (وإن كان القانون لدينا هو مزيج بين علوم دنيوية وشرعية)؛ هل يمكن الاستفادة من قوانين الآخرين؟

الجواب أن هناك بابا واسعا من أبواب القانون الحديث، هو القانون المقارن كما هو الفقه المقارن، ولا يمكن الاستغناء عنه في بناء الدول لتشريعاتها القانونية وتنظيماتها، ويمكن التمثيل في مدى الحاجة إليه كالحاجة إلى متابعة التقنيات الحديثة في مجال التكنولوجيا في الاتصال أو الطب أو الهندسة، فكما أن العلم يتطور في العلوم الطبيعية والتقنية فكذلك يتطور في القانون وبشكل سريع. ولذلك فقد بدأت الدراسات في هذا الباب منذ منتصف القرن الثامن عشر الميلادي في أوروبا، وتنامى بعدها الاهتمام بالقانون المقارن بشكل كبير، خصوصا بعد نشوء المنظمات الدولية وزيادة الحاجة إلى تشريعات عالمية توافق عليها كل الأمم أو أغلبها.

الحديث عن القانون المقارن والحاجة إليه وخصوصا في البلدان النامية كحال معظم البلاد العربية من أساسيات التقدم والإصلاح بنظري، فكما أن نقل التقنية والتكنولوجيا لا يتم إلا من خلال الاطلاع على ما لدى الآخرين؛ فإن دولة القانون الحديثة لا يمكن أن تتقدم إلا من خلال نفس الطريق بالاستفادة من منجزات الحضارة الحديثة وأفضل ما بنته الأمم في العصر الحديث، ويكون ذلك بأخذ ما يناسبنا وترك ما يتعارض مع قيمنا وديننا الحنيف.

وإذا نظرنا إلى التاريخ؛ فإننا نجد بوضوح كيف أن الأمم والحضارات تستفيد وتقوم على منجزات بعضها، فالغرب استفاد من الحضارة الإسلامية في بناء حضارته، وتأثير الفقه المالكي الإسلامي ظاهر في التشريعات الفرنسية مثلا، كما أن القانون الألماني والفرنسي استفاد كثيرا من الأعراف الرومانية، وفي القوانين العربية ومن بينها السعودي تشابه كبير مع بعض القوانين في الدول الغربية خاصة في غير الأحوال الشخصية والمواضيع الجنائية. وهذا التشابه بنظري محمود فيما لا يخالف الشريعة، حيث إنه يستفيد من منجزات الآخرين، إلا أن السؤال هل هذا هو آخر ما لديهم أم أنهم قد حدّثوا تلك القوانين وتلافوا بعض سلبياتها كما هو حال بعض القوانين العربية التي تمكث عشرات السنين دون تغيير أو تطوير!

كثيرا ما أجتهد في ذكر بعض المعالجات القانونية التي لدى الدول المتقدمة في المواضيع التي أطرحها، والسبب أنه بعرضها يمكننا الاستفادة من أفضل ما لدى الآخرين، وبالنظر فيها يمكننا التعمق في العلاج بشكل أكثر فاعلية وتطورا.

هناك جانب آخر مهم؛ وهو أن الكثير من الاتفاقيات الدولية الملزمة لكثير من المستثمرين والأفراد عموما يكون لها تأثير كبير على استثماراتهم الخارجية أو تصرفاتهم في الخارج، وهم يجهلون أبعاد ذلك لجهلهم بقانون ذلك البلد، ونظرا للفرق الشاسع بين القانون الذي اعتادوا عليه وقانون ذلك البلد، وهذا ما يسمى بـ the common zone of impact، ولا يمكن معرفة تلك الالتزامات التي ربما تختلف كثيرا عن القوانين المحلية في بلد المستثمر إلا من خلال القانون المقارن. كما أنه من المهم بالنسبة لواضعي الأنظمة في السعودية مثلا أن يجتهدوا في تقريب القوانين المحلية من القوانين العالمية الشهيرة، وتضمين الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي لها أثر على الأفراد في تلك الأنظمة المحلية لأجل تخفيف الفجوة المجهولة بين القوانين المحلية والدولية بشكل يحفظ لنا خصوصيتنا وقيمنا الحميدة.

كان سبب اختياري لهذا الموضوع هو محاضرة ألقيتها في اتحاد المحامين الشباب بجدة، وهم مجموعة من المتطوعين/المتطوعات ممن يحمل همّ هذا البلد وتنميته، يستحقون منا جزيل الشكر والتقدير.