كان يحدثني ذات مساء عن مستبطنات "جسدانية" عجز عن إدراك كنهها، وفهم دلالتها وتشخيص نوازعها، كان يلمسها داخل بيئته الشعبية التي يغشاها في الأفراح والمناسبات، فيرى ويسمع عوام الناس والبسطاء يتحدثون عنها كطقس موروث ومخزون شعبي وتقليد مشهدي، يتناسل منه مفاهيم مركبة وتفسيرات متداولة في غيبة من سلطة العقل والتفكير الاستنطاقي، والبحث المعرفي عن تلك الحالة الشكلانية التي تعتمد على تفجير الطاقة الجسدية المحضة، وتصريف انفعالاتها النفسية والذهنية وهواجسها التخيلية، وما يتعاور حسها من أفكار وشطط، فأطلقوا عليها "الزار" أو "الاستنزال"، وقد بحثت في كثير من المظان المعرفية لعلها تسعفنا بالبراهين العقلية التي تؤكد أو تنفي هذه الظاهرة المتساجلة مع الواقع الشعبي، وبالذات في العروض الشعبية الراقصة مما أدى إلى تكيف الآخرين معها وقبولها عبر الخطاب الفلكلوري السائد، وشكلها التأثيري الشعوري على الوعي الفردي.
وقد أفصح الكاتب البحريني علي يعقوب في مجلة "الثقافة الشعبية" عن اهتمامه بدراسة مثل هذه الظاهرة ووصفه لإحدى حفلات "الزار" التي حضرها في البحرين، حيث "تبدأ بإطلاق البخور مصحوبة بدقات الدفوف والطبول الصاخبة دون انقطاع، مع غناء وصراخ شديد، يبدأ بعدها بطل الزار بالتأوه والارتجاف والاهتزاز والحركات العصبية والزحف على الأرض، فيقوم آخر بإحضار وشاح أحمر وإلقائه على رأس الرجل المستنزل ليخفي تعابير وجهه، تأملت المشهد بدقة لأتبين حركة ارتجاف جسم الرجل فوجدتها حقيقية صادرة عن إنسان مأزوم يتأوه ألماً، وقام رجل بإمساك رأسه ومساعدته للوصول إلى المكان الذي يجلس به "شيخ الفن" كما يسمونه، الذي يبدأ الحوار مع "الجان" ليرد عليه ويحاوره صوت نسائي فيزداد ارتجاف الرجل وزحفه من مكان إلى آخر".
وقد أرجع الباحث مثل هذا الاعتقاد والطقوس المتعلقة به عند العرب إلى نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، مع ازدهار تجارة الرقيق على السواحل الأفريقية، وجلب أفارقة بسطاء بمعتقدات بدائية وطقوس وثنية، وشحن نفوسهم بالقهر والعبودية والامتهان الذي يرسخ حالات الكبت النفسي الشديد الذي ولد انفجارات عاطفية داخلية ووساوس شيطانية لا يمكن التعبير عنها إلا بمثل هذه التشنجات العصبية، مع تحميل نتائجها فعل فاعل آخر يأتي من الغيب لا دخل لمن يؤديها فيها. وأنا أقول للباحث لماذا اختص سكان الخليج بهذه الظاهرة؟ ولماذا لم نسمع أن زنجياً أميركياً "استنزل"؟ رغم أنه يرسف تحت هيمنة القهر والانحباس داخل مخبوء ذاته المعذبة، ورغم طبول "مايكل جاكسون" وصخبها الشرس..
إنها الشعوذة والصيد في الظلام والاستلاب العقلي والوعي المفقود يا صديقي.