من المعروف أن تطبيق النظام بشكل صحيح يضمن بقدر كبير أن تسير أمورنا جميعا في مختلف قطاعاتنا كما يجب، وبذلك لا يكون أحد فوق النظام، أو تحته، ومن الضروري احترام النظام من قبل جميع أفراد المجتمع بمختلف مسؤولياتهم، وتطبيقيه بشكل متساو على الجميع، والبعد عن التطبيق غير الصحيح للأنظمة؛ حيث إن بعض تصرفات المسؤولين في المراكز والوحدات الخدمية الحكومية غير موفقة، ولا تعكس تطبيق النظام بالشكل الصحيح؛ فكثير من المسؤولين عندما يباشر موضوعا، أو قضية، أو حادثا ما - بحكم عمله - لا يبدي اهتماما بالموضوع الذي يباشره بالمستوى الذي يتناسب مع هذا الموضوع، كما لا يعطيه حقه من التقصي، والاستفسار، وجمع المعلومات، والتعرف على أبعاد الموضوع من جوانبه المختلفة، وفي حالات أخرى قد لا يزور موقع الحادث بل يعتمد على بعض العاملين معه في الإدارة، أو الوحدة التي يشرف عليها في تلك الفترة، ويقوم بتوجيههم عن بعد ولا يدرك الواقع وأبعاده الحقيقية، ونتيجة لذلك يلجأ المسؤول مباشرة إلى إصدار القرار غير المناسب حيال هذا الموضوع، أو القضية من خلال التطبيق غير الصحيح للنظام، والذي من خلاله يتم تحويل الموضوع أو إدخاله ضمن اختصاص إدارة أخرى، وبذلك يتم إخلاء مسؤوليته، ويؤكد ذلك التصرف، أو القرار عدم الرغبة في العمل، وتعمد تحميل القضية، أو متابعة الموضوع على الآخرين في قطاعات أخرى بحكم الاختصاص من وجهة نظره هو لكي لا تستمر القضية أو الموضوع تحت عهدته، أو مسؤوليته لفترة من الزمن، وفي أغلب الأوقات يكون تحويل الموضوع، أو المشكلة، أو القضية لجهة أخرى بطريقة لا تتوافق مع الواقع، ولكنها ظاهريا تبدو نظامية، وبذلك يخرج هذا الشخص (المسؤول) عن الموضوع من وجهة نظره بشكل نظامي حتى وإن كانت معالم القضية وأبعادها لا تتطلب خروجها من حدود الإدارة التي يعمل فيها، وهي من صميم عمله، ومن ضمن مسؤولياته، وبتحويله للموضوع، أو القضية لجهة أخرى تبدأ تأخذ دورتها وإجراءاتها من جديد، وهنا أرى أن هذه الفئة من المسؤولين موجودة بكثرة في إداراتنا، وبتخليها عن واجباتها ومسؤولياتها وتحميل عملها على الآخرين يؤدي إلى تعطيل مصالح أفراد المجتمع، وتضررهم، وتراكم العمل دون مبرر، ومن ثم تأخر إجراءات العديد من القضايا.

ولعله من المناسب أن تكون هناك أمثلة من الواقع لكي تتضح الصورة بشكل أكبر؛ فعندما يكون هناك حريق في منزل، أو ورشة، أو مستودع، أو أي مكان يتم الاتصال على الرقم المخصص للدفاع المدني، ويتم إبلاغهم، وفي أثناء المكالمة لا يتم أخذ معلومات كافية عن البلاغ، ولا يتم التعرف على حجم المشكلة وتعقيداتها لكي يكون تحرك الفرقة على بينة، وتكون مستعدة لنوعية الحادث، وبعد تلقي البلاغ تتحرك الفرقة ببطء، وعندما تباشر الحادث تكون غير جاهزة، وغير متحمسة للتعامل مع الموقف بشكل جيد، ولا توجد لديها التجهيزات الأساسية المطلوبة لأي حادث حتى وإن كان بسيطا، ويأتي مسؤول هذه الفرقة ويحاول أن يجمع معلومات عن الموضوع، أو القضية بطريقة غير مناسبة، ويفترض أن تكون آليات جمع المعلومات تتصف بالجدية، وتكون واقعية، والهدف منها التوصل إلى معلومات تفيد في المستقبل في اتخاذ القرار المناسب حيال الموضوع والمبني على معلومات صحيحة؛ فإذا اقتصر الحريق على الخسائر المادية فإن التقرير غالبا ما يكون التماس الكهربائي سبب الحريق دون التأكد من معرفة السبب الحقيقي لهذا الحادث، وبذلك ينتهي ملف القضية عند هذا الحد، أما إذا كانت هناك إصابات نتيجة لهذا الحريق أو وفيات؛ فإن التقرير يكون بشكل مباشر شبه جنائي من دون تثبت، ومن دون تقديم المبررات التي أدت إلى هذه الخلاصة، أو القرار، وبذلك يتم توجيه مجرى الموضوع من الجانب العرضي لهذه الإصابة، أو الوفاة إلى الجانب الجنائي لكي يتحول كامل الملف إلى جهة أخرى, وينتهي دور هذا المسؤول في الدفاع المدني عند كتابة تقريره غير الواقعي، وتحويله إلى جهة أمنية أخرى مثل مركز الشرطة في ذلك الحي، وهذه الجهة الأمنية الأخرى تقوم بتحويل الموضوع إلى هيئة التحقيق والادعاء العام لإكمال الإجراءات الأخرى حسب الأنظمة، وتأخذ القضية منعطفا طويلا بدون مبرر نظامي، بل الهدف من التصرف الأول من مسؤول الدفاع المدني هو عدم الرغبة في العمل، واستكمال الإجراءات النظامية لهذه القضية التي ليس فيها أي جانب جنائي، بل هذا التصرف عبارة عن هروب من المسؤولية، وعدم الرغبة في القيام بالواجبات، والمهام المنوطة به، ولنا أن نتخيل الدورة الطويلة لهذا الموضوع الذي سينتهي في النهاية إلى أن ما نتج عن هذا الحريق من إصابات، أو وفيات بشرية ما هو إلا عرضي، وليس جنائيا، أو شبه جنائي كما توصل إليه هذا المسؤول بشكل مباشر، ومن دون تقصّ.

وفي هذا المجال أعتقد أن القياديين في وحدات ومراكز الدفاع المدني وغيرها من القطاعات الأخرى التي تباشر قضايا المجتمع مطالبون بتوخي الحقيقية، وأن تكون تقاريرهم واقعية، وتعكس الواقع، ولا يتم تضخيم بعض المواقف، وتغييب الحقائق بهدف تحميل القضايا على جهات أخرى، وهذا ينعكس سلبا على أداء هذه الإدارات، ويؤدي إلى تعطيل مصالح الآخرين، وإشغال جهات، أو إدارات أخرى لفترة من الزمن، ومن المفترض أن ينتهي الأمر بتقرير منطقي وواقعي من خلال المباشرة للواقعة، والتعرف على أبعادها المختلفة التي في ضوئها يتم اتخاذ القرار المناسب حيال الموضوع، وأرى أن هذه الفئة من المسؤولين الذين يباشرون الحوادث المختلفة بحاجة إلى تدريب مكثف على كيفية التعامل مع القضايا المختلفة، وحلقات نقاش في مجالات صنع القرار لكي يتم اتخاذ القرار الصحيح، وعدم التهرب من المسؤولية.