علاقة المعنى بالصوت من أغرز مجالات اللغة العربية التي ما زالت تحتاج إلى دراسات لسانية أكثر. فمثلا فعل (قعد، يقعد، فهو قاعد).. تصريف لغوي بسيط لفعل "قعد" الذي يعني في أبسط صوره "الجلوس" والسكون وعدم الحركة. ولكنه منذ أن تحول إلى أداة فكرية على يد تنظيم "القاعدة" أصبح يعني مكان التجمع ثم الانطلاق لسفك الدماء تحت راية "الجهاد". وذلك من خلال تأصيل فكري يعتمد على وهم "الحق المطلق" الذي لا يملكه الآخرون (المخالفون). ولأن فكر "القاعدة" الذي تبنى التطرف في أقصى صوره، بني في أصله على أسس لا تقبل أدنى مقومات الحوار العلمي أو سنة الاختلاف التي أقرها القرآن الكريم قبل أي طرح جديد أو قديم، فإنه عمليا
"أقعد" العقل عن العمل، وحوله إلى مجرد أداة لعقول أخرى. الأسوأ أن المشكلة الفكرية التي يعانيها العالم الإسلامي لم تعد في "القاعدة" وأتباعها والمتوافقين مع فكرها، فهؤلاء أصبحوا معروفين ولم تعد طروحاتهم تجذب الكثيرين بسبب أسلوبها الدموي، لكن المشكلة أن الفكر والثقافة الإسلامية أصبحا عدة "قواعد" ولو بأشكال ووجوه مختلفة، منها "القواعد الطائفية" و"القواعد الحزبية السياسية"، فكل واحدة منها تريد "إقعاد التفكير" على طرقها المتوارثة عبر مئات السنين، وتجميد أي حركة للعقل، لكي يبقى نائما (النوم قد يكون صورة من صور القعود).
نعم هناك جدالات ونقاشات فكرية إسلامية بدأت تظهر على بعض وسائل الإعلام وخصوصا الفضائيات، إلا أن مشكلتها هي الأخرى أنها وجه قبيح من وجه "الإقعاد الطائفي"، تخرج من كونها نقاشا علميا وفقهيا يلتزم أبجديات احترام المختلف في الرأي، إلى "مصارعة فكرية"، فعنوانه الأبرز هو من يكسب رهان ابتداع مصطلحات شتم وتحقير وانتقاص أكبر من الآخر، وبالتالي فهذا الفكر هو "قواعد" جديدة للانقضاض والتدمير المادي والمعنوي.
حقيقة لا أعتقد أنه مر على الأمة الإسلامية عصر أفضل من عصرنا الحالي لإثبات عمق ثقافتها وصحة دينها، وذلك لوجود وسائل التواصل العالمية التي لا يستطيع أحد منع أحد من النشر فيها، حتى صانعوها لا يستطيعون منع ما لا يريدون نشره.
ولكن تحولنا كعالم إسلامي إلى مجرد "قواعد" أشغل بعضنا ببعض عن رسالة الإسلام الحقيقية التي لو قدمناها ـ كما أرادها الله ـ في زمن كهذا تسود فيه قيم حقوق الإنسان وتشجيع التسامح خصوصا في الدول الغربية، لكنا أصحاب السيادة العالمية، فلا يتحجج أحد بنظريات المؤامرة، فالمؤامرة الحقيقية هي "قواعدنا الفكرية" التي لا تستطيع سوى صناعة الموت.