كلما كانت الذوات مطيعة بشكل أعمى وعاجزة عن التفكير كان سلوكها أقرب إلى سلوك القطيع الذي يتبع قيم الراعي تارة بالإيحاء والاستحواذ وتارة أخرى بالعصا لأن جمهور الكيانات القطيعية في الغالب جمهور عاجز عن التفكير، يبحث في اللاوعي عن مظلة حماية لتأكيد ذاته المُغيبة قسراً لإيهام الذات بأنها موجودة وتسهم في الحراك الاجتماعي من خلال الجماعة الواهمة المتفاعلة مع فكرة أنها تحقق مصالح الجموع.
يقول فرويد إنه كلما اجتمعت عدة كائنات بشر أو حيوانات فإنها تنصاع غريزياً لسلطة القطيع، القطيع الذي لا يستطيع العيش دون سيد حيث يكون تعطشه للطاعة كبير لدرجة الطاعة العمياء. لذلك يتحكم الرئيس بمصيرها. يحدث هذا حين يعجز الإنسان عن إدراك أو مواجهة تداعيات الحياة اليومية أو تحليل الأحداث والإسهام في الحراك الاجتماعي، ويلجأ للهروب من الذات الفردية إلى الذات الجماعية الأكثر قوة وتماسكا، وهو مصطلح يطلق على سلوك الأشخاص في الجماعة عندما يقومون بالتصرف بسلوك الجماعة التي ينتمون لها دون شيء من التفكير لهذا سموها (نظرية الإمعية).. وأول من وضع مفهوم الإمعية هو عالم النفس الأمريكي ليون فيستنجر سنة 1952.
إن وعي الإنسان بذاته ودوره في المجتمع باعتباره ذاتاً مستقلة، يرتبط بمستويات وعيه المعرفي فكلما زاد الوعي تعقل الإنسان أكثر وتخلى عن سلوكه الغريزي الباحث عن القطيع الذي يقوده الراعي، وعلى الضد من ذلك ينتمي الإنسان الواعي إلى الجماعة ولكن باعتباره جزءاً من النخبة الواعية التي تحقق المصالح المشتركة للجميع فيما يرفض قيم الراعي والقطيع.
ومن الأمثلة المعبرة عن سلوك القطيع قصة الأحنف بن قيس التميمي حكيم العرب مع يزيد بن معاوية الذي كان أحد دهاة العرب في قصته ((لما كان الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما أميراً للمؤمنين دارت بينه وبين يزيد بن معاوية حرب تنازل فيها الحسن عن الخلافة ليزيد فدخل الأحنف بن قيس يبايع يزيداً بالخلافة وكان من أنصار الحسن بن علي وكانت زوجة يزيد تجلس وراء الباب تسمع ما يدور بينهما فقال الأحنف ليزيد: اسمع يا يزيد: إن القلوب التي أبغضناك بها لفي صدورنا وإن السيوف التي قاتلناك بها لفي أغمادها وإن تقبل للحرب شبراً أقبلنا لها ذراعاً.. فسكت يزيد "فتعجبت زوجة يزيد من كلامه! ولما خرج الأحنف بن قيس من مجلس يزيد قالت له: يا أمير المؤمنين لم سكتَ عنه؟ ولماذا لم تقتله؟ فقال يزيد: ويحك يا امرأة ألا تعلمين من هذا؟ قالت: لا "فقال يزيد إنه الأحنف بن قيس التميمي الذي إذا غضب، غضب معه مئة ألف سيف لا يسألونه لماذا غضب)).
إن يزيد أدرك بدهائه أن الأحنف قائد للجموع وأن وراءه مئة ألف رجل يخرجون معه للقتال لا يدرون لماذا خرجوا. وفي هذا مثال تاريخي لما يعرف بسلوك القطيع.