باتت سوالف "الجن" و"السحر" لا تجدي نفعا لمن باعوا ضمائرهم من أجل حفنة مال، هذا ما تؤكده الأخبار الصحفية في صحفنا ـ المشكورة ـ منذ بضعة شهور، إنها تُطالعنا بين يوم وآخر بمتابعات لتحقيقات ومحاكمات تكشف عن رشوة تقاضاها كاتب عدل مرة، وقاضٍ مرة، وبالملايين، مقابل إفراغ صكوك أراض مزورة لرجال أعمال جشعين، إما تكون لمواطنين أو أراضي عامة يتم الاستيلاء عليها وبيعها بملايين الملايين أيضا.

وبصدق شديد، رغم ما في هذه الأخبار من مرارة تُشبه طعم الحنظل في الحلوق، لأنها تُخبرنا أن الفساد وصل إلى بعض ضمائر وضعت كي تكف أيدي الفاسدين، وتحلّ الطمأنينة والأمان في أنفس الناس على حقوقهم، إلا أن هذا الأمر أيضا يستحق أن أحيّ عليه وزارة العدل ووزيرها المحترم، فمساعدة وزارة العدل للصحافة باستعراض هذه القضايا وعدم ممانعتها في الكشف عنها، رغم حساسية ذلك لمرافقها، أمر يستحق التقدير فعلا، وقلّ أن نجده من الوزارات الأخرى التي تبقى تنافح وتنافح من أجل نفي قضايا فساد يُتهم فيها منتسبوها عبر تصريحات "مائعة" لا تُسمن ولا تغني من جوع، وليتهم يقتدون بوزارة العدل في ذلك ويقدمون مسؤوليهم ممن تشوبهم شائبة فساد للتحقيق والمحاكمة فعلا.

ما تنتهجه وزارة العدل حاليا في كشف فساد بعض ممن انتسبوا لها في هذه المناصب الحساسة، أمر يُظهر صدق النوايا في إصلاح القضاء وتنفيذ مشاريعه المنتظرة، وتطهير هذه المؤسسة، التي تُعد أم المؤسسات في الدولة، ممن أصاب ضمائرهم جشع دنيوي فاستهانوا بما أمرهم الله تعالى به أن يحكموا بالعدل، ولم يخشوا "اللعن" الذي أخبر عنه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم "لعن الله الراشي والمرتشي".

ولكن ما أرجوه ـ هنا ـ هو أكثر من ذلك من الوزارة الموقرة، وهو الاستمرار فيما تنتهجه بكشف ومحاكمة من يسيئون لها من منتسبيها، ثم التشهير بهؤلاء ليس كعقاب، وإنما ليتقدم الذين شعروا يوما بظلم في قضيّة ما مرت بين أيدي هؤلاء، فلم يُنصفوهم، ومن يأخذ رشوة لتزوير صك أرض يتم سلبها من مواطن أو من الدولة، قد يأخذها في قضايا الناس بين بعضهم، وليست الرشوة وحدها، فمجاملة قريب أو توسط أحدهم في قضية ما لصالح أحد المتقاضيين دون الآخر، أمر لا يقلّ ضررا عن تقاضي رشوة، ولهذا ما أتمناه أن تخصص الوزارة لجنة في وزارتها، تستقبل شكاوى الناس وخاصة النساء ممن شعروا بأنهم ظلموا في قضايا ما داموا يملكون القرينة.

أخيرا، مما لا شكّ فيه أن وقوع هؤلاء في أيدي المحاسبة ليس إلا نتيجة دعوات المظلومين، فدعوة المظلوم ليس بينها وبين ربّ السماء حجاب، وليس هناك ظالمٌ محصن من الله تعالى، لأنه العدل ولن يرضى إلا بالعدل، ولهذا قال حبيبنا المصطفى، عليه الصلاة والسلام: "قاض في الجنة وقاضيان في النار".