هل يمكن أن تتحقق نهضة علمية بمجرد إنشاء مؤسسات علمية على أعلى المستويات واستقطاب أعلى الكفاءات فيها؟ هل تحقيق هذه النهضة مرتبط بإرادة أو قرارات يمكن أن يوفرها الدعم المادي؟ هنا أقدم رؤية تربط التطور العلمي بالشبكة الاقتصادية العامة وبالتالي تجعل من النهضة العلمية مرتبطة جوهريا بتغيير حقيقي في المنظومة الاقتصادية بشكل عام.

منذ البداية والاستثمار الاقتصادي محفز كبير للعلم، بل ومؤثر في تحديد توجهاته أيضا. والرابط هنا هو إنتاجية العلم، فقدرة العلم على الإنتاج هي التي جعلت منه مجالا اقتصاديا كبيرا. ومن هنا يمكن أن نسجل علاقة مباشرة بين الاقتصاد القائم على الإنتاج والعلم. ومباشرة يحضر أمامنا واقع الاقتصاد الريعي العربي وعلاقته بالعلم. الاقتصاد الريعي هو اقتصاد غير منتج باعتبار أنه يقوم على ريع بيع مواد خام وصرف محصول هذا البيع دون الحاجة إلى إنتاج شيء. ولذا نجد أن الدول ذات الاحتياط الكبير من الثروات الخام كالبترول هي الأقل شعورا بالحاجة للتصنيع والإنتاج. وبهذا الوضع فإن الحاجة للعلم تبقى ثانوية جدا. يقول رشدي راشد في هذا السياق: "إن قضية تقييم عملية التقدم والتخلف في المجتمعات تتم على عدة مستويات في الوقت نفسه‏،‏ أولا على مستوى القوة الإنتاجية‏ (‏وليس القوة المعرفية‏)‏ القوة الإنتاجية مرتبطة أيضا بأبحاث تطبيقية في العلم والاختراع‏،‏ هذه الأبحاث تسبق بأبحاث نظرية ضخمة حتى لا تصبح مجرد مقلد‏،‏ تشتري الاختراع من دولة المنشأ وتحاول تطبيقه‏،‏ وهو ما لا يوفره الاقتصاد الريعي‏،‏ مع قيم استهلاكية أساسا‏،‏ فأين سيكون التقدم‏،‏ لو أخذنا أي مجتمع من المجتمعات الغربية التقليدية فلن نجد منها أي مجتمع يقوم على الاستهلاك والاقتصاد الريعي‏،‏ إلا هذا النوع من المجتمعات في الوطن العربي‏،‏ لأن الاقتصاد الريعي يهيئ المناخ للفساد ولعدم الجدية حتى في النظر إلى المستقبل‏.‏

هذا النوع من الاقتصاد يعد عقبة في وجه تقدم العلم وتطوره باعتبار أن الاستثمار الاقتصادي للعلم هو ضمانة هذا التقدم والتأثير. يساعد هذا النظام الاقتصادي نوع النظام، كما تحدثنا عنه قبل قليل، في الإبقاء على الساحة الفكرية في الدول العربية كما كانت عليه في قرون الانحطاط العربي، تسيطر عليها الأنظمة الفكرية ما قبل العلمية. والسؤال الذي يفرضه هذا التنظير هو هل سيؤثر الانفتاح الاقتصادي العالمي اليوم ونظام السوق الحر المفتوح بلا حدود على هذه الوضعية القائمة؟ شخصيا لا أرى إمكانية كبيرة لهذا الاحتمال باعتبار أن هذا الانفتاح الحالي هو مجرد عملية توسيع للأسواق القائمة ولا يترتب عليه تغيير نوعي في الاقتصادات المختلفة، خصوصا الاقتصاد الريعي الذي يتأسس على قيم استهلاك أساسية تتعزز مع انفتاح السوق. إذا صحت هذه النظرة تعالوا نلقي نظرة على الحالة الناتجة، جزئيا عن الانفصال بين الإنتاج والعلم في المؤسسة التعليمية العربية بشكل عام.

من المهم ـ هنا ـ التأكيد على أننا ننظر للمدرسة والجامعة باعتبارهما مؤسسات اجتماعية، كما أننا نستحضر النظرية النقدية التي ترى أن المؤسسات العلمية هي بيئة اجتماعية تتمثل فيها كل القضايا الفكرية والأيديولوجية والطبقية والتنظيمية في المجتمع الخارجي، بمعنى أن المدرسة هي معبّر مركّز عما في الخارج. وإذا تذكّرنا أن النظام التعليمي هو نظام تخطط له وتنفذه القوى السياسية والدينية والثقافية والاقتصادية، فإن حديثنا عن النظام التعليمي في الدول العربية سيكون من قبيل تحصيل الحاصل، ولكن البحث التفصيلي في الجانب التعليمي مهم جدا. فمن مشاكل تعليم المعرفة العلمية أنها تقدم بشكل شكلي دون وعي بقيمتها الحقيقية، فهي تدرّس باعتبارها مادة مفروضة لا أكثر، ولذا فمن غير المستغرب أن تقدم المعرفة العلمية بطريقة تقليدية خارج المنهج العلمي، فالمادة العلمية تقدم، كما تقدم المادة الفقهية أو الشعرية وغيرهما، عبارة عن تلقين يطلب حياله الحفظ والترديد، ولذا نجد أن التعليم للمواد العلمية يقدم بطريقة نصوصية تفتقد لروح الشك والتساؤل التي تمثل جوهر التفكير العلمي الحقيقي.

من جهة أخرى في حالة العلوم التطبيقية فإن المدرسة العربية حتى في الدول ذات الإنفاق الأعلى تفتقد للمختبر المجهّز ولو بشكل أولي لممارسة التجريب العلمي الذي يمكن أن يعتق التعليم العلمي من ربقة التلقين المدرسي البدائي. ذات الكلام ينسحب على الجامعات التي تعاني ذات الإشكال، فالمشكلة هنا مركبة، عدد كبير من الطلاب في بيئة غير مناسبة وأساتذة محبطون ضمن إهمال سياسي واجتماعي وثقافي عميق. هذه النظرة تؤكدها تقارير التنمية البشرية المتتالية وبالأرقام والإحصائيات، وليس هناك مبرر للتغافل عن هذه الحقائق. ولكن المشكلة تكمن أساسا في أن الوعي بأهمية الفكر العلمي لم يتحقق بعد في هذا الجو المفعم بالأمية المقصودة.

ومن الملاحظ أيضا أن التعليم الحالي ليس فقط لا يقدم معرفة علمية، بل هو يؤسس وبشكل منظم للعكس، لكل أنواع التفكير اللاعقلانية. المعرفة التي تقدم للطالب تؤسس في عقله لقبول التناقضات وكل أشكال التبرير اللاعقلاني. إنها ليست فقط معرفة لا علمية، بل هي ضد علمية بالدرجة الأولى. لا يقتصر هذا الأمر على المواد الدينية ولكن يتعدى إلى الاجتماعيات وغيرها من التخصصات. الأحداث التاريخية مثلا في مادة التاريخ لا تقدم على أنها أحداث واقعية هناك تبرير عقلاني وواقعي لها، بل الأحداث تسير فيه بشكل خارق للعادة وبتدخل قوى خارجة عن الواقع دائما مما يفقد الطالب القدرة على الربط العقلي بين الأحداث والنتائج، وهذا بالتأكيد إفساد للقاعدة العقلية الأولى وهي السببية.

رؤيتنا في هذا المقال تهدف لفكرة بسيطة واحدة وهي أن العلم هو جزء طبيعي من شبكة عامة ذات أبعاد سياسية واجتماعية ودينية واقتصادية لا يمكن للعلم، كمؤسسة، أن يتحرك خارجها.