تراجعت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد "نزاهة" عن إشراك مؤسسات المجتمع المدني في عملها حسب تصريح نائب رئيس الهيئة وهو ما كان مدرجا في استراتيجيتها والتي تم إقرارها قبل 6 سنوات بقرار من رئيس مجلس الوزراء.

مل صبر "نزاهة" وقررت أن تكون شفافة وأن تبدأ بنفسها فقررت التراجع عن المعدوم، فبينما لم تذكر السبب فها أنا أذكره هنا ونحن ما زلنا بانتظار ولادة نظام المؤسسات والجمعيات الأهلية التي استبشرت "نزاهة" بها لظنها أنه سيتم إقرارها وأنها سترى النور خلال ست سنوات من إقرار استراتيجيتها.

العنوان الرنان لتراجع "نزاهة"، كان من الأولى أن يذيل بشكر هذه المرة، فهي لم تضع بنودا وتدرج لها ميزانيات ومناقصات ومنافسات كما يفعل العديد من القطاعات الأخرى لشيء معدوم ولا وجود له، بل تراجعت لعلها تسجل موقفا عجزت عن تسجيله مقالات ونداءات ومعاناة يومية تصب في مجرى انعدام مؤسسات المجتمع المدني.

هذا التراجع هو للاستدلال على أن الجمعيات الخيرية لا تصنف كمؤسسات مجتمع مدني، فهي "خيرية" تتبع لوزارة تنظيما وميزانية، وشكرا لـ"نزاهة" لأنها لم تخلط بينهم فقط لتزداد ميزانية الشوون الاجتماعية وتضيع الحقوق.

اللجنة الوطنية التي أدرجتها "نزاهة" ضمن خطتها الاستراتيجية قبل 6 سنوات كان من المفترض أن تضم ممثلي مؤسسات المجتمع المدني، لكن كيف يتم تمثيل العدم؟!

مؤسسات المجتمع المدني التي تنتظر أن يتم إقرار نظامها لا بد أن تكون مستقلة عن وزارة الشؤون الاجتماعية، وإلا فالناتج أننا سندور في حلقة مفرغة لإعادة تدوير التراخي وسوء الخدمات والتضييق على النشاطات، فكيف لنقابة محامين أو خريجي معاهد صحية أن تتبع لوزارة الشؤون الاجتماعية؟

مؤسسات المجتمع المدني والتي كانت تطمح بوجودها "نزاهة" لتساعدها في رصد مواطن الفساد وتقوم بـ"فلترة" البلاغات عن طريقها كنقابات ومؤسسات ما زالت حبيسة الأدراج ليخيب ظن نزاهة وتخيب ظنوننا، فلا مبرر للتأخير، فالمجتمع يقوم بواجبه الرقابي والتفاعلي يوميا عبر التفاعل مع أمور الشأن العام والمتخصص عبر ما يتاح له من منابر افتراضية في انتظار منه لمنبر يثبت عن طريقه أنه واع ومستعد للمشاركة بوطنية، عوضا عن قتل مواطنته بملء استمارات مطولة للقطاعات الخدمية لا ينظر لها إلا عندما يحالفها الحظ وتتصدر صفحات الصحف.

مؤسسات المجتمع المدني التي تراجعت عنها "نزاهة" بعد أن كانت تأمل وكنا نأمل أن يتم إقرارها لتكون فاعلة وخدمية ورقابية، ولها تمثيل في مجلس الشورى كجميع مؤسسات المجتمع المدني التي تعمل على نقل الواقع المغيب عن الأكاديميين والتنفيذيين، وتضع هموم الشارع على أجندة لطالما تم تجاهلها في ظل علو صوت مسؤولي القطاعات الحكومية، والتي غالبا ما تحركها عقود شركات التشغيل المليونية.

مؤسسات المجتمع المدني التي تراجعت "نزاهة" عن إدراجها لحفظ ماء وجهها أمام الاتفاقيات التي تم توقيعها وتضمنت أن الدول الموقعة لا بد أن تضم بين جنباتها مؤسسات وجمعيات أهلية، فكيف لها أن توثق العدم في تقاريرها السنوية، حتى وإن فعلت القطاعات الأخرى جهلا، كيف لها أن تفعل ذلك وهي "نزاهة"؟!

نظام مؤسسات المجتمع المدني هو البوابة التي لن تستطيع "نزاهة" ولن يستطيع ديوان المراقبة العامة العمل دونها، أنى لهم ذلك دون تفعيل دور شعب بأكمله والاكتفاء بقلة من الموظفين البسطاء يتم إغلاق الأبواب بأوجههم في الوزارات والقطاعات الحكومية ليتكرر مسلسل اتصال رئيس الهيئة بوزير هنا ومدير هناك للسماح لهم بالقيام بعملهم، في دلالة واضحة على مدى جدية واحترام قطاعات الدولة المختلفة لـ"نزاهة"، ودلالة واضحة على حاجتهم للتنظيف قبل استقبال الزوار، فلِمَ لا نختصر الجهود ونجعل من أنفسهم عليهم رقيبا؟