في منتصف سوق العلوي الشهير بالمنطقة التاريخية بجدة، تجذبك لوحة لمحل تجاري باسم "العاشق" مكتوب في أحد أطرافها "تأسس في عام 1368 هجرية (1948)"، واللافت أيضا أن الإقبال على المحل، ذي المساحة الصغيرة التي ربما لا تتجاوز مترين في مترين في ليلة العيد من قبل الزبائن كان كبيرا، حتى أنه من الصعوبة بمكان تمييز البائعين من المشترين، في تلك المساحة الضيقة.
تاريخ التأسيس كان بحد ذاته حكاية من أساطير "جدة القديمة"، استعنا بالشاب بندر حسين الذي لديه معلومات وافية عن تاريخ أصحاب "المهن المعمرة" في هذه المنطقة الحيوية التي ما زالت مركز جذب لكثير من السكان المحليين، وقال حسين لـ"الوطن" إن "محل "العاشق" يعد من الثلة الأخيرة القليلة الباقية في تاريخية جدة القديمة، وحينما يذكر تاريخ التأسيس فنحن نتحدث عن أكثر من نصف قرن، بالتحديد ما يقارب 65 عاما".
قبل 12 عاما وتحديدا في عام 2000 انتقل العم محفوظ إلى جوار ربه، ليستلم ابناه من بعده "فهمي ومنير" أمانة والدهما من بعده التي يعتزان ويفتخران بها كثيرا، ويتفيآن ظلال رزقهما من هذا المحل الذي أسسه أبوهما، بعد أن احترف في مهنته التي عشقها وهي "الخراز"، وهي كلمة خليجية تعني "الإسكافي"، وهو من يقوم بخرز الجلود، وتحويلها إلى أدوات تستخدم مثل "الأحذية، والمحازم العادية، ومحازم السلاح التي يضاف لها أماكن لتخزين الرصاص".
استطاع العم محفوظ أن يضع علامته التجارية "كخراز" من بين أشهر الخرازين في المملكة على وجه خاص، ومنطقة الخليج العربي في العموم، دخل إلى دهاليز وتفاصيل هذه المهنة وعمره لم يتجاوز 15 ربيعا، وهي بمثابة "إرث لسلالة عائلته" التي تعلمها أبا عن جد.
قبل التطور الكبير، والاتساع السكاني كانت الإنتاجية اليومية للعم محفوظ المتخصص في صناعة الأحذية المكاوية المعروفة محليا
بـ"الشراقي" بمقدار عشرة أحذية، ويشير نجله منير في حديثه إلى "الوطن" أن "تلك الأحذية ما زالت تحمل بصمة شهيرة بين أطياف مجتمع منطقة مكة المكرمة عموما" مؤكدا أن الأحذية المكاوية احتفظت بجميع أذواق الفئات العمرية، ولم تفقد بريقها إلى اليوم. الطلب على أحذية العم محفوظ دفع أبناءه من بعده إلى محاولة سد ارتفاع الطلب عليها من السوق المحلي بالاستعانة بأحد المصانع الموردة لهم، ضمن المواصفات الفنية للتصنيع التي وضع أسسها والدهما منذ عقود طويلة. الشراء من محل "العاشق" في تاريخية جدة يشبه في تعبيره عبارة "قديمك نديمك"، فالعديد من العوائل التي كان لها سابق عهد بالسكن في محيط هذه المنطقة ما زالوا يجدون في المحل فرصة للشراء، وأخرى للتزود بأجواء ونكهة أيام زمان.
عدد من الزبائن يأتون من عروس المصايف الطائف في عيد فطر كل عام؛ ليشتروا من أحذية "العم محفوظ" لهم ولأبنائهم، منهم سلمان القرشي الذي يرى في تلك الأحذية ـ كما يقول ـ صورة "طبق الأصل" من الجودة التي ربما تنافس أحذية "الماركات العالمية"، مشيرا إلى أنه واظب على شراء الأحذية التي تصنع يدويا منذ أكثر من عشر سنوات. هنا حديث آخر يدور بين ألسنة المقبلين على شراء "الأحذية المكاوية" يمكن تجميعها في قالب "الحكايات القديمة" عن هذا المحل الذي لا يزال يحتفظ بمكونات ديكوره القديم، وأسلوب عرض الأحذية التي أخذت أنماطا وألوانا مختلفة. ورغم أنه لا توجد صورة "لمؤسس الصنعة" في المحل، كغيره من المحلات المعمرة التي تجاوره، إلا أن ذكر الرجل الأول "العم محفوظ" لا يزال يتردد بين جدران المنطقة وأحاديث الناس، كرمزية دلالية تحمل طابعا تاريخيا بامتياز.