لغة مبينة، أهداف واضحة، أزمنة محددة، آليات مشروحة.. تلك كانت أهم العناوين التي حملها خطاب خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز في قمة الخليج الثالثة والثلاثين في المنامة، والذي ألقاه نيابة عنه ولي العهد الأمير سلمان بن عبدالعزيز.

تتميز خطابات وكلمات الملك عبدالله بالمباشرة والموضوعية والبساطة، واستهداف المواطن وقضاياه وحاجاته الملحة. ومنذ خطابه المشهود في قمة الكويت الاقتصادية في 2009م، والذي شرّح فيه مكامن الداء والأمراض التي تسكن الجسد العربي، ظل باستمرار في كل المناسبات يعترف بالأخطاء ويُشرّح مكامن العلل ويقدم الاقتراحات العملية، ولذلك لم يكن مستغرباً أن يكون خطاب خادم الحرمين الشريفين في قمة المنامة مواصلة لنفس النهج واللغة الخطابية المطلوبة والبسيطة والمعبرة.

مجلس التعاون الذي تجاوز عمره أكثر من 31 عاماً، لا تزال إنجازاته بعيدة عن طموحات وتطلعات الشعوب الخليجية، والقرارات التي يتم اتخاذها في كل قمة تبقى حبيسة الأوراق والمواقف المتأرجحة، لذلك كان مطلوباً تحديد الموقف من مبادرة "الاتحاد الخليجي"، وكان مهماً استكمال الوحدة الاقتصادية، وبلورة سياسات خارجية موحدة، قادرة على مواجهة التحديات الإقليمية والعالمية التي تواجه منطقة الخليج، وإكمال بناء المنظومة الدفاعية والأمنية الخليجية "درع الخليج"، بما يمكنها من حماية الخليج وحفظ سيادته وأمنه واستقراره ومكتسباته، ثم إقرار حرية التنقل بين الدول الخليجية، حتى يشعر المواطن الخليجي بأن منظومته التعاونية تعمل وتنجز، وتحولها إلى الاتحاد ضرورة تفرضها عدة معطيات تجعلها أكثر مناطق العالم اشتعالاً باستمرار. والأهم من ذلك كله ما وصلت إليه دول الخليج من تعاون وعمل مشترك يجعلها قادرة للانتقال لمرحلة الاتحاد.

تميزت هذه القمة باتجاهها المباشر نحو المواطنين بما اتخذته من قرارات، وفي مقدمتها ضرورة العمل على تعزيز روح المواطنة الخليجية لدى مواطني دول مجلس التعاون في مختلف المجالات، ثم التوجيه المباشر للجان المعنية بسرعة تنفيذ ما ورد في الاتفاقية الاقتصادية، بخصوص توحيد السياسات المالية والنقدية، وتكامل البنية الأساسية وتعزيز القدرات الإنتاجية، بما يضمن إتاحة الفرص الوظيفية للمواطنين، وتكليف لجنة التعاون المالي والاقتصادي بتقديم برامج عملية، وفق جداول زمنية للانتقال إلى آفاق أرحب للتكامل والاندماج الاقتصادي بين دول المجلس، وكذلك توجيه المجلس بإجراء دراسة شاملة للتعرف على البرامج المنفذة في مختلف الأنشطة الشبابية في دول المجلس، وقضايا الأسرة والطفولة وعقد ندوة شاملة بهذا الشأن، وتلك هي سواد القضايا التي تشغل بال مواطني دول الخليج بشكل يومي، وتحقيقها هو الذي سيزيد من وتيرة العمل الخليجي المشترك ويجعله "الاتحاد" واقعاً معاشاً حتى وإن لم يتم إقراره سياسياً.

أعتقد أن استمرار اللغة الناعمة مع النظام الإيراني، كان الفقرة الوحيدة التي أخذت على البيان الختامي للقمة من قبل كثير من المراقبين، فالنظام الإيراني "سميك الجلد" لا يردعه مطالبته بعدم التدخل في شؤون دول الخليج العربية، فهو يسمع هذه اللغة منذ سنوات ولا يلقي لها بالاً، بل يستمر في التدخل والعبث بأمن الخليج، ويزيد على ذلك بمخاطبة الخليج بلغة خشنة تعتمد التهديد والوعيد للمنطقة.

أهمية قمة المنامة تأتي من مخاطبتها المباشرة لتطلعات وطموحات شعوب الخليج، وتميزها بتحديد آليات وأسقف زمنية، لتحويل أغلب القرارات التي ظلت عالقة منذ عشرات السنوات إلى أرض الواقع، لذلك يمكن القول إن قمة المنامة حققت نقلة نوعية في روتينية القمم الخليجية السابقة، خصوصاً أنها ركزت على الداخل الخليجي أكثر من تركيزها على محيط الخليج الإقليمي والدولي، وأعادت وضع العمل الخليجي المشترك إلى قنواته الحقيقية، وتوجيه سهامه إلى الأهداف التي تهم شعوب منطقة الخليج مباشرة.. نتمنى أن يتحقق ذلك قبل انعقاد القمة المقبلة.