تكملة لموضوعنا السابق في الأسبوع الماضي، الذي تحدثنا فيه عن كيفية خطف الإسلام من قبل عصابات عربية، واستعماله كغطاء لعمليات إرهابية، ألحقت بالعرب المسلمين الضرر الكبير، نحاول اليوم، شرح كيفية تخليص الإسلام من خاطفيه.
فماذا يمكن أن يفعل باقي العرب الآن من المسلمين الصامتين، وهم الأغلبية الصامتة، لكي ينقذوا الإسلام مما هو فيه من محنة على يد الخاطفين والسارقين له، والمنتفعين به؟
على العرب المتطرفين أن يعترفوا، أنهم أساؤوا إلى الإسلام، وأنهم بعيدون عن الإسلام، والإسلام الحق، بريء منهم براءة الذئب من دم ابن يعقوب، حماية وصيانة لشرف الإسلام، ولكي يفوّتوا على الغرب اتهام "الإسلام العربي" بالإرهاب، ولكي تبقى الحقيقة ساطعة وهي أن العرب المتطرفين - بعيداً عن الإسلام - هم الإرهابيون، وليس الإسلام ورسالته الإنسانية التي لم تعرف الإرهاب. ومن هنا أقرَّ المؤتمر الدولي للإرهاب الذي عُقد في الرياض في فبراير 2005 أنه لا علاقة للدين بالإرهاب.
أما عن الإرهاب والمسلمين من غير العرب، فالمسلمون من غير العرب ليسوا إرهابيين. فالأتراك ليسوا إرهابيين، وكذلك، الإندونيسيون، والماليزيون، والبنجلادشيون، وكافة مسلمي العالم. وما جرى في تركيا والباكستان وإندونيسيا ليس من فعل المسلمين الآسيويين، ولكنه من فعل العرب المسلمين وبتخطيطهم. فتركيا وشعوب آسيا المسلمة لم تعرف الإرهاب، قبل ظهور "جماعة الإخوان المسلمين"، وجناحها العريض والطويل: "القاعدة"، وقبل انتشار العُربان الأفغان في العالم.
فالجرائم الإرهابية الفظيعة، التي ارتُكبت في الجزائر، والمغرب، والمملكة العربية السعودية، واليمن، والأردن، ومصر، والعراق، وروسيا، وإسبانيا، وأميركا، وفرنسا، ومناطق أخرى من العالم، كانت من تدبير عرب مسلمين، وليس من تدبير مسلمين من غير العرب. وأن هذه البلاد التي انتُكبت بالإرهاب الدموي، لم تعرف الإرهاب على هذا النحو من العنف والوحشية، قبل أن يخطف هؤلاء المتطرفون العرب الإسلام، ويكوّنوا "التنظيمات السرية الخاصة"، ويهربوا به إلى تورا بورا، وكهوف أفغانستان وسراديب الفلوجة.
فهل ما زال العرب مسلمين إسلام الرسول الكريم محمد عليه الصلاة والسلام؟
لا يغُرنَّك هذا العدد الكبير من المساجد في العالم العربي.
ولا يغُرنَّك هذا العدد الهائل من رجال الدين، وهم الأكثر عدداً من "الخبراء" في الاقتصاد، والتخطيط، والتعليم، والصحة، والتدريب، في العالم العربي!
ولا يغُرنَّك هذه الملايين من المسلمين، التي تملأ المساجد كل يوم جمعة.
ولا يغُرنَّك الآلاف من كُتب "اجترار" الدين دون الجديد فيها، التي تصدر كل عام في العالم العربي، والتي يتغرغر بها "المسلمون" غرغرةً، دون تفكُر، أو تأمل، أو تدبُّر.
لقد تحوَّل الإسلام عند هؤلاء، من قيم أخلاقية، وعقل، وتدبُّر، ودين حوار، ورضا، وقبول بالفكر الآخر، إلى تعاويذ، وسحر، وشعوذة، وفتاوى سياسية، وإلى دين شعائر وطقوس، تؤدى كما تؤدى الألعاب الرياضية الروتينية المفروضة، في طوابير الصباح على طلبة المدارس.
وهناك معان لم ندركها؛ فنحن نعلم، أن الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، كان خاتم الأنبياء والمرسلين. وكان ذلك الختام ذا معنى كبيراً، وهو أن البشرية قد شبّت عن الطوق بعد ذلك، وبلغت سنَّ الرُّشد، وأنها بهذا الختام، مدعوة لأن تتولى أمرها بنفسها. ولكنا اكتشفنا نحن العرب الآن، أننا ما زلنا قُصَّراً، ولم نبلغ سنَّ الرُّشد بعد، وبأننا رُددنا إلى أرذل العمر، وهو إما الشيخوخة أو الطفولة، وأننا بحاجة إلى رحمة من الله لإنقاذ دينه، من سوء ما فعله به متطرفونا.
فهل يُوجِدُ الله فينا، من يحارب هذه الجاهلية التي نحن فيها، كما حوربت من قبل؟
وهل يُوجِدُ الله فينا، من يحارب أصنامنا وطواطمنا الجديدة ، كما حارب أصنام الجاهلية الأولى؟
هل يُوجِدُ الله فينا، من يُجدد له دينه، ويُعيده من سارقيه، ومختطفيه، ومشوهيه، ومزوّريه، ومن مرتزقته، ويصفّيه من الإرهاب والاستغلال، وينقّيه من المتاجرة به؟
فيا أيها الأوائل الأبرار، انهضوا لتروا ماذا فعلنا ـ أو فعله متطرفونا ـ بإسلامكم النقي؟
لقد شرّعنا بما لم يأتِ به قرآنكم، وما لم تأتِ به الأحاديث الشريفة، وقلنا ما لم تقولوه، وفعلنا ما لم تفعلوه، وجئنا بإسلام جديد ليس إسلامكم.
تعالوا أيها الأبرار الأوائل، لتروا ماذا فعلنا بأصحاب الكتب المقدسة؟
تعالوا أيها الأبرار الأوائل، وسوف تردّون هذا الدين من غربته، ومن مختطفيه، في الجبال والكهوف والسراديب، دون هجرة، ودون قطع لطريق قوافل المشركين، ودون غزوات، ودون هدر دماء.
تعالوا أيها الأبرار الأوائل، فسوف تعقدون صلحاً حضارياً جديداً بشجاعتكم مع "الكفار"، كما عقدتم "صُلح الحديبية" مع مشركي قريش رغم اعتراض الصحابة. وسوف تسخرون ممن يريدون رفع راية الإسلام فوق قصر بكنجهام في لندن، وفوق البيت الأبيض بواشنطن، وإقامة الخلافة الإسلامية هناك.
تعالوا أيها الأبرار الأوائل، وانظروا ماذا فعل بعض المسلمين من المتطرفين بإسلامكم منذ أن رحلتم عن دنيانا إلى اليوم.
لقد أصبحوا مسلمين، بلا إسلامكم الحنيف.