تافهة هي الأغاني الملتزمة سياسيا، يستفزني مطربوها، الملامح اليائسة والثياب الفوضوية فلكلور وطقس لزوم طقس آخر. لست من أنصار الالتزام في الفن، بل من أنصار الشعورية، البهجة عامل أساسي والفرح محصلة نهائية، لا فن بلا أمل ولا أمل بلا بهجة ولا بهجة دون موسيقى. الموسيقى سقف الحواس، والفرح هو سيد المشاعر، وهؤلاء القوم قانطون يأكلهم اليأس وتنهشهم الكآبة وترتديهم الحيرة والقلق، يجتهدون في إشاعتها، يذهبون للمناطق الضيقة ويحاولون إقناعنا بأنها الحياة، يقفون على حواف مدببة ويتحدثون عن شساعة الأفق، ينزعون الألوان الصاخبة والمنعشة من لوحة الدنيا ويقولون تأملوها بلا عقد.. ذريعتهم أن الفن التزام والإبداع وعي، وهذا كلام يمكن تجاوزه بعيدا عن توظيفات الأيديولوجيا ونظريات "العكعكه السياسية".
أفهم أن يكون للفنان أو المبدع موقف من الحياة، بل من المهم أن يكون كذلك، أستوعب أن يملك رؤية مختلفة عن ما هو سائد لكن في المقابل لا أرى تبريرا لفكرة الثبات. الثبات يعني الموت والفن كائن حي عبر الزمن، تجدد محتفظا بقيمته العظيمة التي لم تفقد وهجها في أحلك الأزمنة تخلفا، ولا أذكر إساءة تعرض لها الفن أكثر من ربطه بقضية الرسالة، والتأكيد عليها بحيث أصبحت كليشه مجانية.
الفن ليس رسالة، الفن مسألة جمالية، جدل، الرسالة مقرونة بالوعظية والتبعية، والوعظية والتبعية ميدانهما أشياء أخرى، الفن حسي، والرسالة عقلية.. الفن متغير ومراوغ أحيانا، والرسالة جامدة.. الفن شقي والرسالة جادة، الفن واسع ومتعدد والرسالة ضيقة وأحادية، الفن يستوعب والرسالة تفرق، الفن يجمع والرسالة تشتت، الفن حياة وتمايز واختلاف.. والرسالة تنميط.
الفن حقيقة والرسالة وهم، الفن خيال والرسالة واقع وما بينهما فرق كبير، أكبر من أن يقربه وهم الالتزام الفني حتى وإن علت الملامح جهامة وكست الأجساد ثياب فوضوية.