حين يصبح الفارق بين الخطأ والصواب لا شيء، فإن ذلك يعني أننا نعيش أزمة كبيرة، وعجزا حقيقياً عن التفكير والتجرد والموضوعية والإنصاف، ومن ثم الحكم على الأشياء كما هي، دون أن نتأثر بما يُقال، ودون أن نكون تابعين لرأي قد لا يكون منصفا، فضلا عن أن يكون خالصاً من النوايا غير الحسنة.
وحين يصبح الصواب أو ما يحتمله، خطأ محضا لمجرد أنه صدر عمن يختلف معنا، أو عمن لا نحب، أو عمن أقام علينا الحجة ذات قول أو حوار، متجاهلين قول الحق تبارك وتعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى"، فإننا – في هذه الحال ـ نكون قد انزلقنا دون أن نعي إلى الدرك الأسفل من الضعف، ولذا نحاول الاستقواء بأسباب غير موضوعية، علنا نستعيد القوة، لكنها لا تعود، لأننا وصلنا إلى إنهاكٍ أقحمْنا أنفسنا في مداراته بكثرة الصراعات، وتتابع النزاعات التي لا تفضي إلا إلى الفراغ، أو الفوضى، أو الفرقة، أو التوقف عن البناء، أو المزيد من الشحناء، وكلها عناصر تصبغ الحياة بألوان قاتمة تنعدم معها الرؤية والرويّة، ويضعف بها البصر والبصيرة.
وحين تخلو عقولنا من الاستفهامات إلا عن الأشخاص، واتجاهاتهم، وانتماءاتهم التي صنعناها بالنيابة عنهم، ثم نضعهم في قوالب جاهزة، فإننا نتخلى عن نعمة التبصر، ونقيد أنفسنا بالأحكام المسبقة على الشخوص، لا على الأفكار، وتلك درجة متدنية في النقد، الذي ينبغي أن يكون محاكمة لما يصدر عن الناس، لا لما نتوهم أنه في صدورهم، أو لما نتوقع – استباقا – أنه يصدر عن أمثالهم، بعد "قولبتهم" وتصنيفهم، مما يجعل الأحكام مسبقة، وغير قابلة للعدل بوصفه قيمة ندعيها ولا نحسنها.
وحين نستعيض عن عيوننا بعيون الآخرين، فنرى بها، وننطلق من منطلقاتهم، ونبني رؤانا على رؤاهم فقط، فإننا نعمى، ثم نعجز ـ بعد ذلك ـ عن أن نرى أو نسمع أو نتكلم أو نستقل، وبالتالي نعجز عن أن نصدر رأيا، ثم إننا حين نصدر رأيا ـ بعد فوات الأوان – فإنه يذهب مع الريح، لأننا نصير كمن "نبت له ريش" فجأة، فلا هو طار مع الطائرين، ولا هو قعد مع القاعدين، ولن يستمع إليه أحد، لأنه لم يكن ـ عبر سنوات التبعية ـ إلا صدى، لا يضيف إلى الصوت معنى، ولا يهب السامعين غير الدويّ.
نفثة:
قِفْ ليْ هُنَاكْ
فوقَ اتَّقَادِكَ كي أراكْ
حررْ جناحَكَ من حروفِ الجزْمِ حتَّى تَسْتَبِيْنْ
يا أيُّهَا المُنْهَلُّ من غيمٍ إلى سفْحٍ إلى وادي الظَّلامْ
كُنْ أنتَ لا عصفورَ صَيَّادِ شَراكْ
حاولْ تكُنْ..
أنا لا أرَاكْ
"فَرْخٌ وليسَ بهِ حِراكْ"