ولم أتيقن أننا صرنا أسرى للمسكنات قبل أن يطلب صديقٌ من صيدلي أكبر عبوة مسكن لديه، وحين سألته عن السبب أجاب باستعجال: إنها تقلل كثيرا من أعراض أوجاعه، التي لا يعرف لها اسما!، وعندما كنت لحوحا بعرضه على طبيب مختص، لوّح بوجه لجهة أخرى، ثم أكمل لي"سالفة" البارحة!.
وصديقي هذا أكد لي الشكوك القديمة التي كانت تساورني، بأننا أدمنا المسكنات، حتى أصبحت جزءا من تركيبة خلايانا الحية، يصرف لنا طبيب المركز الصحي في كل مرة نزوره فيها قنينة المسكن الذي نحفظ اسمه عن ظهر قلب للمرة العاشرة على التوالي، رغم أننا زرناه بعشرة أمراض مختلفة، حتى أدمناها واكتفينا بعملها الموقت عوضا عن العلاج الأبدي لكل أمراضنا ومشكلاتنا هنا وهناك!.
يموت أحدنا نتيجة خطأ طبي فاضح، فنملأ الدنيا احتجاجا، نطالب ونصرخ، نفرغ كل ما في جعبتنا من مفردات الشجب والاستنكار، حتى تضيق طبلة المسؤول ذرعا من جلبة الأصوات النشاز، فيعلن عن مؤتمر صحفي نترقبه بنهم شديد ليصدر مجموعة قرارات تقضي بإغلاق موقت ولفت نظر بائس، وغرامات مالية مخجلة، فتلتهب أيدينا بالتصفيق المخلص، ونسطر له كل مفردات الشجاعة!.
وما أن ينتهي مفعول المسكن، حتى نستيقظ ذات صباح على سقوط ضحية جديدة في ذات المكان!، لنعاود الكرّة مرة أخرى طمعا في الحصول على جرعة مسكن جديدة!.
ولأننا أدمناه فعلا بغض النظر عن جودته، فإن السيناريو السابق ينسحب على كل مناحي الحياة هنا، نتذمر من ارتفاع أسعار السلع، فينقص التاجر من ثمن السلعة ومن حجمها أيضا، فندعو له بالسداد!.
نشكو قلة رحلات الطيران التي تتجه لمدينة إقليمية، فيزيد صانع القرار الرحلات إلى الضعف ولا ينسى مشكورا أن ينقص سعة الطائرات إلى الربع! فنطلق بانتشاء زغرودة الفرح!.
يخسر فريقنا المفضل ثماني مباريات متتالية؛ لأنه ببساطة يضم بين صفوفه لاعبين يصلحون لأي شيء باستثناء أن يكونوا لاعبي كرة قدم!، فيفطن رئيس النادي إلى أن الجمهور الغاضب بحاجة ماسة لجرعة مسكنة، فيسارع للمسكن الأرخص والأسرع، الذي استخدمه أربع مرات في تلك السنة، فيصدر قرارا بإقالة المدرب!.