السؤال المطروح أعلاه، صحيح في حالة أن الليبرالية دين، يوازي الإسلام بقداسته وعظمته، مثل المسيحية واليهودية؛ ولكن الليبرالية ليست كذلك، ولا تدعي أنها كذلك. أو أن الإسلام دين بسيط، يمكن اختزاله بمبادئ حياتية دنيوية بحتة لا غير، والإسلام ليس كذلك، ولا يمكن أن يكون كذلك. ومن يطرح مثل هذا السؤال أعلاه، لماذا غاب أو غيب عن باله أن يطرح السؤال أو الأسئلة التالية: ما حاجتنا للسلفية ولدينا الإسلام؟ وما حاجتنا للإخوانية ولدينا الإسلام؟ وما حاجتنا للتحريرية أو للدعوية ولدينا الإسلام؟ خاصة أن كل تنظيم ديني دعويا كان أم حركيا سياسيا من التنظيمات التي ورد ذكرها أو التي لم يرد ذكرها أعلاه، تدعي لنفسها امتلاك الرؤية التفسيرية الحقة للإسلام، وفي كثير من الأحيان اختزاله بمنهجها لا غير، وتعتبر نفسها الأمينة على تطبيقه لا غيرها.
إن من يسأل السؤال ما حاجتنا إلى الليبرالية ولدينا الإسلام؟ هو إما جاهل بالإسلام أو جاهل بالليبرالية، أو جاهل بهما معاً، في ظل تزييف الواقع وتغييب الوعي. بما أن المذاهب والمدارس الإسلامية القديمة والحديثة، لا تختزل الإسلام بطروحاتها، إلا أنها تجزم بأنها الأقرب لتمثيله روحاً ونصاً، مع اختزال الإسلام بها من بعض متعصبيها، ومع ذلك لم يتجرأ أحد على طرح السؤال وهو: ما حاجتنا للسلفية أو الإخوانية أو الدعوية أو غيرها ولدينا الإسلام؟ ولكن من السذاجة كذلك طرح مثل هذا السؤال على أي مذهب أو مدرسة إسلامية، كون الإسلام أعم وأشمل وأثرى من أن يختزل بمدرسة أو رؤية بعينها على مر العصور وانتشار المسلمين في أرجاء الكرة الأرضية. وهذا دليل على ثراء الإسلام وكونه صالحا لكل زمان ومكان، وما زال الإسلام يقبل ويتسع لرؤى ومدارس إسلامية جديدة، ما دام باب الاجتهاد مفتوحا ويعتبر أحد مصادر التشريع في الإسلام.
الليبرالية هنا ليست دينا أو حتى مذهبا أو مدرسة دينية، ناهيك عن أن تطرح نفسها كبديل للدين أو حتى مزاحم للمذاهب والمدارس الإسلامية، في تأويل الدين وتفسيره ونشره بين الناس. إنها تطرح نفسها كرؤية لإدارة الشؤون الدنيوية، المدنية لا غير، ولا تتدخل في الأمور الدينية العقدية ولا حتى الفقهية، وإنما تتركها لأصحاب المدارس والمذاهب الإسلامية وأتباعها. الهند الهندوسية وماليزيا المسلمة واليابان البوذية، وأميركا المسيحية؛ كلها تتخذ من الليبرالية أسلوبا لإدارة حياتها العامة، مع احتفاظ كل منها بدينها وطابعها التقليدي الرسمي للبلاد. ومع ذلك لم يتجرأ أحد من مواطني تلك الدول، طرح السؤال: ما حاجتنا إلى الليبرالية ولدينا ديننا الرسمي الذي نؤمن به ونتقرب به إلى الله؟ وذلك لوجود الوعي الرشيد بالفصل التام بين الدين وإدارة الحياة.
وكذلك فالليبرالية تختلف في تفاصيل تطبيقاتها من بلد لآخر حسب ثقافته، فالليبرالية الأنجلو – سكسونية، تختلف في بعض تفاصيلها عن الليبرالية الفرانكفونية وكلتا الليبراليتين العريقتين تختلفان في تفاصيلهما عن الليبرالية الإسكندنافية. مع كون القارة الأوروبية الصغيرة بحجمها هي مصدر الليبرالية الحديثة؛ وذلك دليل على أن الليبرالية ليست قوالب محددة وجاهزة وإنما هي قيم لإدارة الحياة العامة، مع الاختلاف في بعض التفاصيل، حسب وضع وقيم كل بلد.
ونحن الآن بدأنا نشاهد ونلمس تشكل بدايات ليبرالية عربية حقة، بعد ثورات الربيع العربي، التي شارك فيها الإخوان والسلفيون وغيرهم من أصحاب الفكر الإسلامي الذين لم يكن فكرهم يتسع لفكرة الليبرالية أو الديموقراطية، بل يحاربها. وستنضج الليبرالية العربية مع الممارسة والتجربة، والخطأ والتصحيح، مثل ما هو حادث في مصر وتونس واليمن، لتصل إلى ما وصلت إليه الليبراليات العريقة. وكذلك سنشهد داخل الليبرالية العربية تنوعات، مثل ما هو موجود في أوروبا والعالم كله.
وسنشهد أن الإسلام، لن يتأثر بذلك إلا إيجاباً من ناحية المزيد من الأنسنة والتعايش السلمي والتفاعل الحضاري مع الحضارات الأخرى، أي بتخليصه مما ألصقه به الفكر المتطرف والمتشدد والمعادي لكل ما هو مغاير. أي ستزيد الليبرالية من ثراء الإسلام، ويثبت على أرض الواقع والمجرب أن الإسلام فعلاً وبحق صالح لكل زمان ومكان، وهذا ما يؤمن ويبشر به بكل ثقة ومعرفة الليبراليون. وكذلك سيزيد الإسلام الليبرالية ثراء ويصبغها بصبغته العالمية والتاريخية، ليجعل منها فكرا إنسانيا عريقا ضاربا أطنابه في تاريخ ووجدان شعوب الأرض قاطبة. وهذا مجرب ومثبت على أرض الواقع، حيث يعتبر الإسلام أكثر دين ينتشر في المجتمعات التي تطبق الليبرالية كمنهج ورؤية لإدارة شؤونها الحياتية العامة، ولا نسمع عن انتشاره في الدول التي تنتهج النظم الديكتاتورية الشمولية الاستبدادية. أي أن الدين الإسلامي ينتعش وينتشر أكثر في أجواء الحرية والتسامح، التي هي أهم قيم الليبرالية.
ومع كل ما ذكرت أعلاه، سوف يظل يسأل سائل، وما حاجتنا إلى قيم الليبرالية ولدينا قيم التسامح والعدل والحرية في الإسلام؟ هنا أقول هذا صحيح نظرياً، ولكننا من ناحية التطبيق، لم ننعم طوال تاريخنا الإسلامي، بقيم التسامح والعدل والحرية، إلا في فترات محدودة جداً لا يمكن الأخذ بها كمقياس، مع وجود الإسلام بيننا. وكل مدرسة أو مذهب أسلامي يؤول الحرية والعدل والتسامح في الإسلام تأويلا يختلف عن غيره، حيث يعتمد كلّ على تأويل أئمته الأولين، التي لم تكن تعني لهم الحرية والعدالة والتسامح في زمانهم، حاجة ملحة وضرورية، كما هي الآن لنا، في عصر العولمة والقرية الكونية وتداخل وتشابك ما هو شأن محلي بالشأن الدولي والعكس صحيح.
إذاً بما أن الليبرالية موجودة الآن ومجربة وقائمة على أرض الواقع في الدول التي طبقتها بكل المقاييس المادية والمعنوية؛ لما تمثله من استجابة طبيعية لروح العصر ومعطياته؛ إذاً فلماذا البحث عن مسوغ لها عند الأقدمين؟ لقد ركبنا الطائرة وصلينا فيها وصمنا وأفطرنا، من غير أن نأخذ أو نبحث عن إذن من الأقدمين، عن: هل يجوز ركوبها وعن كيفية الصلاة أو الصيام فيها؟ وما يجوز على الطائرة، كمخترع حضاري علمي غربي، يجوز كذلك لنا الأخذ بالنظام الحياتي العام، الذي كفل إيجاد مثل هذا المخترع العظيم وغيره من المخترعات العظيمة التي ننعم بها، أو بالأحرى كنا نرفضها ونعتبرها مما عمت به البلوى؛ حتى أدركنا متأخرين بأن حياتنا لا تستقيم إلا بها.
وهنالك من يعتبر الليبرالية فكرا مستوردا، والسؤال الذي يطرح نفسه: هل يجوز للأوروبي أو الهندي أو الفلبيني رفض الإسلام ومحاربة المسلمين لديه، كونهم يعتنقون فكرا أو دينا مستوردا؟ إن كنت حقاً تؤمن بفساد الفكر المستورد، فعليك أن تقبل ذلك جملة وتفصيلاً. أي أن تقبله وتتحمل تبعاته، لك وعليك؛ وعندها ستكون أنت الخاسر أولاً وأخيراً.
يقال إن الليبرالية كلمة غربية، وهذا لا يضيرها، فكذلك كلمة الدواوين هي كلمة فارسية تعني دفتر، وكلمة مصحف كلمة حبشية تعني كتاب. وقد استخدمها المسلمون الأوائل بدون أدنى حرج وتعربتا مع الاستعمال؛ والليبرالية ستتعرب مع كثرة الاستخدام والترديد لها.