تغيرت السعودية، أو تغير مواطنوها، واقع ملموس لا ينكره إلا مضلل لا يقول الحقيقة. اختفى ذلك الجيل الذي عاش الفقر ثم ذاق الغنى والذي عاش الخوف ثم أحس بالأمان، وظهر وتصدر جيل ولد في أمن ورغد، وهذه سنة الحياة. تغير الأجيال يأتي بإفرازاته ومتطلباته وحتى طرق التواصل معه.

تدخل السعودية عقدها الثامن منذ التأسيس بتميز ائتماني وديون لا تذكر واقتصاد ضخم ومداخيل هائلة، ولكنها تدخله أيضاً بأزمة فائض، وهذه أخطر الأزمات، فإدارة الفائض أصعب بكثير من إدارة العجز.. لأن التوقعات المصاحبة للفائض متزايدة، والمزاج العام تطغى عليه السلبية مع فقر في مهارة توصيل المعلومة الإيجابية، ولو أن أرقام الميزانية صدرت من أي دولة لانتشر فيها التفاؤل وتباشر الناس بالمستقبل.

نحن في أحسن أوضاعنا الاقتصادية في تاريخنا، مع حذر وتشاؤم مجتمعي وتفاؤل خجول ممن يرون نصف الكأس الممتلئ، حالة لابد أن تدرس بعمق، وبعيداً عن إعلام يمجد في عصر التواصل، لن يهلل الناس للميزانية إلا إذا أحسوا بها كمنجزات. سعوديو الألفية الثانية ليسوا سعوديي الثمانينات، وبينما يواصل المذيع قراءته للميزانية بنفس طريقة الثمانينات ينظر السعودي إلى "آي فونه".. لا يهمه كثيرا مما يسمع لكنه ينظر متى يصل دور سكنه.. ومدرسة ابنه.. وسرير بدون واسطة، وهذا حقه لا منة فيه لأحد.

كيف نرجع التفاؤل لمجتمع افترسه التشاؤم؟ تحد كبير، أعان الله الجميع عليه.. فالسعودي حفظ وطنه في وسط بحور الفوضى، ويستأهل كل عز، حتى وإن عتب فهو من محبة. وبعيداً عن الأرقام وهمومها والمؤشرات ومدلولاتها وتناولها الرسمي ظهر التناول الافتراضي عبر شبكات التواصل وفيه إشارات عديدة، أهمها أنه لابد من تغيير الرسالة الإعلامية التي يتلقاها المواطن، فكم عندنا من المنجزات والإنجازات ضاع صداها، والإعلام لم يصبح السلطة الرابعة بل الأولى، وبينما ينشر السوداويون التشاؤم بتغريدة؛ يضيع التفاؤل وسط ساعات الديباجات.. ليت الرسالة الإعلامية تقتدي بأبي متعب.. كلمات قليلة.. من القلب للقلب.. وأثرها عظيم.. لا مكرمة ولا توجيهات.. لم تعد الميزانيه خبرا.. بل أصبحت مطالب حياة.. حفظ الله الوطن ورزقه من الخيرات.